الصفحة 133 من 245

قد تبين من جميع ما ذكرناه أن المحاسن والصور المستحسنة التي تدرك بحاسة البصر إنما تكون من المعاني الجزئية التي تدرك بحاسة البصر ومن اقتران بعضها ببعض ومن مناسبة بعضها لبعض. والبصر يدرك المعاني الجزئية التي قدمنا ذكرها مفردة ومقترنة، ويدرك الصور المتألفة منها. فإذا أدرك البصر مبصرًا من المبصرات، وكان في ذلك المبصر معنى من المعاني الجزئية التي قدمنا ذكرها التي تفعل الحسن منفردًا، وتأمل البصر ذلك المعنى منفردًا، حصلت صورة ذلك المعنى بعد التأمل عند الحاس وأدركت القوة المميزة حسن المبصر الذي فيه ذلك المعنى. لأن صورة كل مبصر من المبصرات مركبة من عدة معان من المعاني التي قد قدمنا تفصيلها. فإذا أدرك البصر المبصر ولم يميز المعاني التي فيه، وكان أحد المعاني التي في ذلك المبصر على الصفة التي تفعل الحسن في النفس، فإن البصر عند تأمل ذلك المعنى يدرك ذلك المعنى منفردًا. فإذا كان ذلك المعنى منفردًا حصل ذلك الإدراك عند الحاس. وإذا حصل إدراك صورة المعنى الذي يفعل الحسن عند الحاس أدركت القوة المميزة الحسن الذي فيه، فأدركت بذلك الإدراك حسن ذلك المبصر. وإذا أدرك البصر مبصرًا من المبصرات، وكان في ذلك المبصر حسن مركب من معان مقترن بعضها بعض ومن معان مناسب بعضها لبعض، وتأمل البصر ذلك المبصر وميز المعاني التي فيه وأدرك المعاني التي فيه، وأدرك المعاني التي تفعل الحسن باقتران بعضها ببعض أو مناسبة بعضها لبعض، وحصل ذلك الإدراك عند الحاس، وقاست القوة المميزة تلك المعاني بعضها ببعض، أدركت حسن ذلك المبصر المركب من اقتران المعاني المتألفة التي فيه. فالبصر يدرك الحسن الذي في المبصرات من قياس تلك المعاني بعضها ببعض على الصفة التي فصلناها.

فأما القبح فهو الصورة التي تخلو من كل واحد من المعاني المستحسنة. وذلك انه قد تقدم أن المعاني الجزئية قد تفعل الحسن ولكن ليس تفعله في كل المواضع ولا في كل الصور، بل في بعض الصور دون بعض. وكذلك التناسب ليس يكون في جميع الصور بل في بعض الصور دون بعض. فالصور التي ليس يفعل فيها شيء من المعاني الجزئية شيئًا من الحسن على انفراد المعاني ولا باقترانها ولا يكون فيها شيء من التناسب في أجزائها فليس فيها شيء من الحسن. وإذا لم يكن فيها شيء من الحسن كانت مستقبحة. لأن قبح الصورة هو عدم الحسن فيها. وقد يجتمع في الصورة الواحدة معان مستحسنة ومعان مستقبحة، والبصر يدرك حسن الحسن منها وقبح القبيح إذا ميز المعاني التي فيها وتأملها. والقبح يدركه البصر من الصور التي قد عدمت جميع المحاسن من عدمه الحسن عند إدراكها. وكذلك كل معنى مستقبح.

فأما إدراك البصر للتشابه فإن التشابه هو تساوي الصورتين أو المعنيين في المعنى الذي يتشابهان فيهز والبصر يدرك الصور والمعاني التي في الصور على ما هي عليه. فإذا أدرك البصر صورتين متشابهتين معًا أو معنيين متشابهين فهو يدرك تشابههما من إدراكه لكل واحدة من الصورتين أو المعنيين، ومن قياس إحدى الصورتين بالأخرى أو المعنيين أحدهما بالآخر، ومن إدراكه لتساويهما في المعنى الذي فيه يتشابهان. فالبصر يدرك التشابه في الصور المتشابهة وفي المعاني المتشابهة من إدراكه لكل واحد من الصور والمعاني على ما هي عليه، ومن قياس بعضهما ببعض.

فأما الاختلاف فإن البصر يدركه في الصور المختلفة من إدراكه لكل واحدة من الصورتين المختلفتين ومن قياس إحديهما بالأخرى ومن إدراكه لعدم التساوي في هيئتهما وفي جميع المعاني التي فيهما التي يختلفان فيها، أعني إحساس الحاس بعدم التساوي فيهما. فالاختلاف يدرك بحاسة البصر من إدراك البصر لكل واحدة من الصور والمعاني على انفرادها ومن قياس بعضها ببعض ومن إحساس الحاس بعدم التساوي فيهما.

فقد أتينا على تبيين كيفيات إدراك البصر لكل واحد من المعاني الجزئية التي تدرك بحاسة البصر. وقد تبين من جميع ذلك أن المعاني الجزئية التي تدرك بحاسة البصر منها ما يدرك بمجرد الحس ومنها ما يدرك بالمعرفة ومنها ما يدرك بالقياس والاستدلالات. وهذه المعاني التي قصدنا لتبيينها في هذا الفصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت