قد تبين كيف يدرك البصر كل واحد من المعاني الجزئية التي تدرك بحاسة البصر. والبصر إنما يدرك صور المبصرات التي هي الأجسام. وصور المبصرات إنما هي مركبة من المعاني الجزئية التي تقدم بيانها كالشكل والعظم واللون والوضع والترتيب وأمثال ذلك من المعاني الجزئية التي تقدم بيانها. فالبصر إنما يدرك كل واحد من المعاني الجزئية من إدراكه لصور المبصرات التي هي مركبة من المعاني الجزئية. والبصر يدرك من كل صورة من صور المبصرات جميع المعاني الجزئية التي في الصورة معًا. وليس يدرك البصر شيئًا من المعاني الجزئية منفردًا، لأنه ليس ينفرد واحد من المعاني الجزئية التي تقدم بيانها متحدًا لا يقترن به غيره، لأن جميع المعاني الجزئية التي تقدم بيانها ليس توجد إلا في أجسام، والجسم ليس ينفرد بمعنى واحد من هذه المعاني دون غيرها، بل ليس يخلو واحد من الأجسام من أن يجتمع فيه عدة من المعاني الجزئية المدركة بحاسة البصر. فالبصر إنما يدرك صور المبصرات، وكل واحدة من صور المبصرات مركبة من عدة من المعاني الجزئية، فالبصر يدرك في كل واحدة من صور المبصرات عدة من المعاني الجزئية منفردًا في التخيل والتمييز. فالبصر يدرك كل واحد من المعاني الجزئية عند ملاحظة المبصر مقترنًا بغيره من المعاني الجزئية، ثم من تمييزه للمعاني التي في الصورة يدرك كل واحد من المعاني على انفراده.
وقد تبين بالتفصيل والتحرير كيف يدرك البصر صور المبصرات التي هي مركبة من المعاني الجزئية الذي هو إدراك المعاني الجزئية المجتمعة في الصورة معًا. والمعاني الجزئية التي منها تتألف صور المبصرات منها ما يظهر في حال ملاحظة البصر للمبصر ومنها ما ليس يظهر إلا بعد التفقد والتأمل. ومثال ذلك النقوش الدقيقة وحروف الكتابة والوشوم والغضون واختلاف الألوان المتقاربة الشبه. وجميع المعاني اللطيفة ليس تظهر للبصر في حال ملاحظة البصر، وليس تظهر إلا بعد التفقد والتأمل. وحقيقة صورة المبصر التي تدرك بحاسة البصر هي التي تتقوم من جميع المعاني الجزئية التي تكون في صورة المبصر التي يصح أن يدركها البصر. وليس تدرك حقيقة صورة المبصر التي يصح أن يدركها البصر إلا بإدراك جميع المعاني الجزئية التي تكون في صورة المبصر. وإذا كان ذلك كذلك فحقيقة صورة المبصر الذي فيه معان لطيفة ليس يدركها البصر إلا من بعد التفقد والتأمل.
وأيضًا فإنه إذا كان البصر ليس يدرك المعاني اللطيفة إلا بالتفقد والتأمل، وليس تظهر المعاني اللطيفة للبصر في حال الملاحظة، فإن البصر إذا أدرك مبصرًا من المبصرات وأدرك صورته، ولم يكن في ذلك المبصر شيء من المعاني اللطيفة، ولم يدرك البصر في صورته شيئًا من المعاني اللطيفة، فإنه ليس يتحقق الحاس مع ذلك أن ليس في ذلك المبصر معان لطيفة، إذ كانت المعاني اللطيفة ليس تظهر إلا بالتأمل. فإذا أدرك البصر مبصرًا من المبصرات، ولم يكن في ذلك المبصر شيء من المعاني اللطيفة، فهو يدرك صورته الحقيقية، ولكن ليس يتحقق أن تلك هي صورته الحقيقية. وليس يتحقق أن تلك هي صورته الحقيقية إلا بعد أن يتفقد كل جزء من أجزاء ذلك المبصر ويتحقق أنه ليس فيها شيء من المعاني اللطيفة. ومن بعد تفقد جميع أجزائه يتحقق أن الذي أدركه هو صورته الحقيقية.
فعلى تصاريف الأحوال ليس يتحقق البصر صورة المبصر إلا بتفقد جميع أجزاء المبصر وتأمل جميع المعاني التي يصح أن تظهر من المبصر. وإذا كان ذلك كذلك فحقائق صور المبصرات التي يدركها البصر ليس تدرك إلا بالتأمل.