الصفحة 237 من 245

وقد يعرض الغلط في الحسن والقبح أيضًا من اجل خروج الزمان عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر إذا لمح مبصرًا من المبصرات كشخص إنسان، وكانت لذلك الإنسان ورقة من رقة لونه وحسن هيئة جملة وجهه وأشكال أعضائه الظاهرة أو بعض ذلك، وكانت في مع ذلك معان لطيفة تشينه وتقبح صورته كتباين أعضائه أو آثار تكون في وجهه تقبح صورته، فإن البصر إذا لمح الصورة التي بهذه الصفة لمحة خفيفة والتفت عنها في الحال فإنه يدرك محاسنها في حال ملاحظتها ولا يدرك المعاني اللطيفة التي تكون فيها التي تشينها، لأن هذه المعاني ليس تدرك في لمح البصر. وإذا لمح البصر المبصر الذي بهذه الصفة فإنه يدركه حسنًا، وهو مع ذلك قبيح. وكذلك جميع المبصرات من الجمادات والحيوانات والنبات، إذا كانت فيها معان ظاهرة مستحسنة ومعان لطيفة مستقبحة، فإن البصر إذا لمحها لمحًا ولم يتمكن من تأملها تأملًا صحيحًا فإنه يدركها مستحسنة وهي مع ذلك مستقبحة.

وكذلك إن كان في المبصر معان ظاهرة مستقبحة ومعان لطيفة مستحسنة، ولمح البصر المبصر الذي بهذه الصفة لمحة خفيفة، فإنه يدركه مستقبحًا ولا يدرك محاسنه. وإذا أدرك البصر المبصر المستقبح حسنًا فهو غالط في حسنه وإذا أدرك المبصر المستحسن قبيحًا فهو غالط في قبحه.

وقد يعرض هذا الغلط بعينه للبصر إذا كان البصر ينظر من باب أو من فرجة، وكان المبصر متحركًا أو مجتازًا بذلك الباب أو الفرجة وأدركه البصر في مقدار الزمان الذي قطع فيه المبصر عرض ذلك الباب أو الفرجة ولم يتمكن من تأمله، فإنه يدرك المستقبح الذي على هذه الصفة التي وصفناها حسنًا ويدرك المستحسن قبيحًا. وكذلك إذا كان البصر متحركًا والمبصر ساكنًا أو متحركًا إلى ضد جهة حركة البصر ولمح البصر المبصر في حال حركته من باب أو من فرجة.

وكذلك أيضًا إذا لمح البصر مبصرين متشابهين في معان ظاهرة ويختلفان في معان لطيفة، ولم يتأملها تأملًا صحيحًا بل لمحهما لمحًا خفيفًا ثم أعرض عنهما، فإنه يدرك ذينك المبصرين متشابهين ولا يحس باختلافهما. وإن كانا يختلفان في المعاني الظاهرة ويتشابهان في المعاني الخفية فإن البصر يدركهما مختلفين ولا يحس بتشابههما. وإذا أدرك البصر المبصرين المختلفين بوجه من الوجوه متشابهين على الإطلاق فهو غالط في تشابههما، وإذا أدرك المتشابهين بوجه من الوجوه مختلفين على الإطلاق فهو غالط في اختلافهما.

والغلط في الحسن وفي القبح وفي التشابه وفي الاختلاف هي أغلاط في القياس لأن هذه المعاني تدرك بالقياس. وعلة هذه الأغلاط هي خروج الزمان الذي يدرك فيه البصر كل واحد من هذه المبصرات عن عرض الاعتدال، لأن البصر إذا أدرك هذه المبصرات وتمكن من تأملها وتصفح المعاني التي فيها فإنه يدرك كل واحد منها على ما هو عليه، فيدرك الحسن حسنًا والقبيح قبيحًا والمتشابه متشابهًا والمختلف مختلفًا، ولا يعرض له الغلط في يء من المعاني التي فيها، إذا كانت المعاني الباقية التي في تلك المبصرات في عرض الاعتدال.

فعلى هذه الصفات وأمثالها يكون غلط البصر في القياس من أجل خروج الزمان الذي فيه يدرك البصر المبصر عن عرض الاعتدال.

البعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت