فأما كيف يكون غلط البصر في القياس من اجل خروج صحة البصر عن عرض الاعتدال فإنه كالبصر الذي به عشى أو به مرض أو هو ضعيف في الأصل، إذا نظر إلى مبصرين على بعدين متساويين، وكان ذانك المبصران متفرقين، وكان بعدهما بعدًا مقتدرًا، وكان أحد المبصرين أبيض نقي البياض وكان الآخر مظلم اللون، وكان الضوء الذي عليهما متساويًا، فإن البصر ربما ظن بالمبصر الأبيض الذي بهذه الصفة أنه أقرب من المظلم اللون ويظن بالمبصر المظلم اللون أنه أبعد، وإن كان بعداهما من الأبعاد المعتدلة وكان من أبعدها، وخاصة إذا كان المبصران مرتفعين عن الأرض وكان بعداهما يسامت سطح الأرض. وذلك لأن البصر الضعيف ليس يدرك ما يدركه إدراكًا صحيحًا، والقوة المميزة تحس بهذا المعنى من البصر الضعيف والمعلول. وتساوي البعدين إنما يدركه البصر من إدراكه لمقدار كل واحد من البعدين ومن قياس أحد البعدين بالآخر، فهو يدرك تساوي البعدين من قياس فيه بعد. والمبصر النقي البياض يكون أبين من المبصر المظلم اللون، والمبصر القريب من البصر يكون أبين من المبصر البعيد من البصر، وبيان الأبيض وخفاء المظلم اللون يدركان بمجرد الحس، وما يدرك بمجرد الحس يكون أظهر عند الحس مما يدرك بالقياس.
فإذا أدرك البصر المبصرين اللذين بهذه الصفة وأدرك بعديهما وأدرك اختلاف بيانهما فإنه يغلب اختلاف البيان الذي يدركه بمجرد الحس على ما يدركه بالقياس لأنه أظهر والحس به أوثق. وإذا كانت القوة المميزة تدرك أن ما يدركه البصر الضعيف هو إدراك غير صحيح كانت مما هو أظهر عند ذلك البصر وأقرب إلى الحس فاولا في الحس أشد ثقة منها بما هو أبعد في الحس وبما ليس يدرك إلا بعد تأمل وقياس. فالبصر الضعيف يدرك المبصر النقي البياض كأنه أقرب من المبصر المظلم اللون إذا كانا متساويي البعد ولم يتحقق مقدار بعديهما، لأنه يدركه أبين ولأنه يغلب ما كان أظهر في الحس. وإذا أدرك البصر المبصرين المتساويي البعد مختلفي البعد فهو غالط في كل واحد منهما أو في بعد أحدهما.
وقد يعرض هذا الغلط بعينه للبصر الصحيح أيضًا إذا كان المبصران اللذان بهذه الصفة على بعد متفاوت ولم يتيقن البصر مقدار بعديهما. وذلك لأنه إذا لم يتيقن البصر بعدي المبصرين الذين بهذه الصفة ظن بالأبيض أنه أقرب من أجل أنه أبين.
وقد يعرض هذا الغلط للبصر الصحيح أيضًا من البعد المعتدل إذا لم يلحظ البعد ولم يتيقن مقدار البعد ولمح المبصرين الذين بهذه الصفة لمحة يسيرة والتفت عنهما في الحال، إذا أدركهما في الليل أو في موضع مغدر. فيكون الغلط في بعدي المبصرين اللذين بهذه الصفة غلطًا في القياس لأن البعد واختلاف الأبعاد ليس تدرك إلا بالقياس. ويكون العلة في هذا الغلط للبصر الصحيح هو تفوت البعد أو ضعف الضوء أو قصر الزمان. ويكون علة هذا الغلط في البصر الضعيف، إذا لم يكن بعد المبصرين بعدًا متفاوتًا، وكانت المعاني الباقية التي في ذينك المبصرين التي بها يتم إدراك المبصرات على ما هي عليه في عرض الاعتدال، هو ضعف البصر.
الوضع وقد يعرض الغلط في الوضع أيضًا من أجل خروج البصر عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر الضعيف والمؤوف إذا أدرك مبصرًا من المبصرات ، وكان سطح ذلك المبصر مائلًا على خطوط الشعاع، ولم يكن ذلك المبصر على وجه الأرض بل كان مرتفعًا عن الأرض، وكان ميله ميلًا يسيرًا، فإن البصر لا يحس بميله وإن كان بعده مسامتًا لوجه الأرض بل يدركه كأنه مواجه. وذلك لأن الميل إنما يدركه البصر من إدراكه لاختلاف بعدي طرفي المبصر، وإذا كان المبصر مرتفعًا عن الأرض وكان ميله يسيرًا فإن البصر ليس يدرك اختلاف بعدي طرفيه إلا من قياس بعيد وبتأمل لطيف مستقصى، وليس يكون اختلاف بعدي طرفيه ظاهرًا للحس إذا كان ميله يسيرًا، والبصر الضعيف ليس يدرك المعاني اللطيفة وليس يدرك إلا ما كان ظاهرًا، واختلاف بعدي طرفي اليسير الميل إذا كان مرتفعًا عن الأرض قل ما يدركه البصر الضعيف وإن أدرك وجه الأرض المسامت لبعد ذلك المبصر، والبصر الصحيح ليس يدرك هذا المعنى إلا بتأمل مستقصى وربما عرض له الغلط مع ذلك في ميل المبصر، وليس يدرك البصر الضعيف ميل المبصر إذا كان سير الميل وكان مرتفعًا عن الأرض، فهو يدرك ما هذه حاله من المبصرات كأنه مواجه.