الصفحة 123 من 245

فأما التفرق الذي بين المبصرات فإن البصر يدركه من تفرق صورتي الجسمين المبصرين المفترقين اللتين تحصلان في البصر. إلا أن كل جسمين مفترقين فإن التفرق الذي بينهما إما أن يظهر منه ضوء أو جسم متلون مضيء أو يكون موضع التفرق مظلمًا لا يظهر ما وراءه. وإذا أدرك البصر جسمين متفرقين وحصلت صورتاهما في البصر فإن صورة الضوء الذي يظهر من التفرق أو صورة لون الجسم المتلون الذي يظهر من التفريق أو الظلمة التي تكون في موضع التفريق تحصل في الجزء من البصر الذي فيما بين صورتي الجسمين المتفرقين اللتين تحصلان في البصر. والضوء واللون أو الظلمة قد يحتمل أن تكون في جسم متوسط بين الجسمين متصل بكل واحد من الجسمين. فإن لم يحس البصر أن الضوء أو اللون أو الظلمة التي في موضع التفرق ليس هو في جسم متصل بالجسمين اللذين عن جنبتيه فليس بتفريق الجسمين. وأيضًا فإن سطح كل واحد من الجسمين المتفرقين منعطف إلى جهة التباعد في موضع التفرق، فربما كان انعطاف سطحي الجسمين أو سطح أحد الجسمين ظاهرًا للبصر وربما لم يظهر للبصر. وإذا ظهر انعطاف سطحي الجسمين أو سطح أحد الجسمين للبصر أحس البصر من ذلك بتفرق الجسمين . فالبصر يدرك تفرق الأجسام من إدراكه لأحد المعاني التي ذكرناها: إما من إدراكه الضوء من موضع التفرق مع إحساسه بأن ذلك الضوء من وراء سطحي الجسمين المتفرقين، أو من إدراكه جسمًا متلونًا في موضع التفرق مع إحساسه بأن ذلك الجسم غير كل واحد من الجسمين المتفرقين، أو من إدراكه ظلمة موضع التفريق مع إدراك القوة المميزة أن ذلك هو ظلمة وليس هو جسمًا متصلًا بالجسمين، أو من إدراكه لانعطاف كل واحد من سطحي الجسمين في موضع التفرق أو انعطاف سطح أحد الجسمين. فجميع ما يدركه البصر من تفرق الأجسام إنما يدركه بالاستدلال من أحد هذه المعاني أو أكثر من واحد منها.

والتفرق قد يكون بين جسمين منفصلين، وقد يكون بين جسمين غير منفصلين وهو أن يكون الجسمان متصلين ببعض أجزائهما منفصلين ببعضهما، كالأنامل وأعضاء الحيوان وكثير من الجدران وكأغصان الشجر. وعلى كلى الحالين فالبصر إنما يدرك التفرق على الوجوه التي بيناها كان الجسمان المتفرقان منفصلين بالكلية أو كانا متصلين ببعض أجزائهما مفترقين ببعضهما. وقد يدرك تفرق الأجسام بالمعرفة وبتقدم العلم، ولكن ليس ذلك الإدراك بإحساس البصر.

وتفرق الأجسام منه ما هو فسيح وفيه سعة ومنه ما هو ضيق ويسير. فالتفرق الفسيح ليس يخفى عن البصر في أكثر الأحوال ولا يشتبه على البصر لظهور الجسم المسامت للتفرق وإحساس البصر به وبأنه غير كل واحد من الجسمين المتفرقين، أو أدرك الضوء والفضاء المضيء المسامت للتفرق. فأما التفرق اليسير والغضون الضيقة فإنما يدركها البصر من البعد الذي ليس يخفى منه الجسم المساوي مقداره لمقدار سعة التفرق. فأما إذا كان التفرق بين الجسمين ضيقًا خفيًا، وكان بعد الجسمين عن البصر بعدًا قد تخفى من مثله الأجسام التي مقاديرها كمقدار سعة التفرق، فليس يدرك البصر تفرقها وإن كان بعد الجسمين عن البصر من الأبعاد المعتدلة وكان البصر يدرك الجسمين إدراكًا صحيحًا. لأن البعد المعتدل إنما هو البعد الذي ليس يخفى منه مقدار محسوس النسبة إلى مقدار جملة البعد، والإدراك الصحيح هو الذي ليس بينه وبين حقيقة المبصر تفاوت محسوس النسبة إلى جملة البصر. والتفرق قد تكون سعته بمقدار ليس له نسبة محسوسة إلى بعد المبصر ولا قدر محسوس عند كل واحد من الجسمين المتفرقين، لأن التفرق ربما كان بمقدار ما تستره شعرة أو قريبًا من ذلك، وليس تخرجه هذه الحال من أن يكون تفرقًا، فالأبعاد التي منها يدرك البصر التفرق تكون بحسب مقدار سعة التفرق. فالتفرق بين المبصرات يدركه البصر على الصفات التي بيناها.

فأما الاتصال فإن البصر يدركه من عدم التفرق. فإذا لم يحس البصر في الجسم بشيء من التفرق أدركه متصلًا. وإن كان في الجسم تفرق خفي ولم يدركه البصر، فإن البصر يدرك ذلك الجسم متصلًا، وإن كان فيه تفرق. فالاتصال إنما يدركه البصر من عدم التفرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت