وكذلك إذا قابل البصر المبصر بعد أن لم يكن مقابلًا له، وماسًا الهواء الحامل لصورة المبصر سطح البصر بعد أن لم يكن شيء من ذلك الهواء مماسًا له، فإن الصورة ليس تصير من الهواء الحامل للصورة إلى داخل تجويف العصبة المشتركة إلا في زمان، إلا أن هذا الزمان ليس للحس طريق إلى إدراكه ولا اعتباره لصغره وغلظ الحس وقصور قوته عن إدراك ما هو في غاية الصغر. فهذا الزمان بالقياس إلى الحس بمنزلة الآن بالقياس إلى التمييز.
وأيضًا فإن العضو الحاس ليس يحس بالصور التي ترد إليه من المبصرات إلا بعد أن ينفعل بالصور، فليس يحس باللون بما هو لون وبالضوء بما هو ضوء إلا بعد أن ينفعل بصورة اللون وبصورة الضوء. وانفعال العضو الحاس بصورة اللون وبصورة الضوء هو تغير ما، وليس يكون التغير إلا في زمان، فليس يدرك البصر اللون بما هو لون ولا الضوء بما هو ضوء إلا في زمان ، وفي الزمان الذي تمتد فيه الصور من سطح العضو الحاس إلى تجويف العصبة المشتركة وفي ما يليه يكون إدراك القوة الحساسة التي في جميع الجسم الحاس للون بما هو لون وللضوء بما هو ضوء، لأن القوة الباصرة إنما هي في هذه المسافة وهي في جميع هذه المسافة. وعند حصول الصورة في تجويف العصبة المشتركة يكون إدراك الحاس الأخير للون بما هو لون وللضوء بما هو ضوء. فإدراك الحاس الأخير للون بما هو لون وللضوء بما هو ضوء يكون في الزمان الذي يلي الزمان الذي فيه تصل الصورة من سطح العضو الحاس إلى تجويف العصبة المشتركة.
وأيضًا فإن الآن الذي هو أول آن تحصل عنده الصورة في سطح البصر هو غير الآن الذي هو أول آن يماس فيه الهواء الحامل للصورة أول نقطة يماسها من سطح البصر، إذا قابل البصر المبصر بعد أن لم يكن مقابلًا له أو بعد فتح البصر أجفانه وهو مقابل للبصر بعد أن كانت أجفانه مطبقة. لأن البصر إذا قابل المبصر بعد أن لم يكن مقابلًا له، أو فتح أجفانه بعد أن كانت مطبقة، فإن أول ما يماس سطح البصر من الهواء الحامل لصورة ذلك المبصر هو نقطة واحدة أو خط لا عرض له، ثم جزءًا من بعد جزء إلى أن يصير الهواء الحامل للصورة مماسًا لجزء من سطح البصر الذي تحصل فيه الصورة. وفي حالة مماسة النقطة التي لا قدر لها أو الخط الذي لا عرض له من سطح البصر للنقطة التي لا قدر لها أو الخط الذي لا عرض له من سطح الهواء الحامل للصورة ليس يحصل شيء من صورة الضوء واللون في سطح البصر. لأن أقل القليل من السطح الذي يحصل فيه ضوء أو صورة لون ليس يكون إلا سطحًا. فالآن الذي يماس فيه نقطة من سطح البصر أول نقطة يماسها من الهواء الحامل للصورة ليس يحصل فيه شيء من الصورة في سطح البصر. والآن إذن الذي هو أول آن تحصل عنده الصورة في سطح البصر هو غير الآن الذي هو أول آن ماس عنده الهواء الحامل للصورة سطح البصر إذا قابل البصر المبصر بعد أن لم يكن مقابلًا له أو فتح أجفانه بعد أن كانت أجفانه مغلقة.
وإذا كان ذلك كذلك فليس تحصل صورة اللون ولا الضوء في شيء من العضو الحاس ولا في سطح البصر إلا في زمان، وليس يدرك الحاس شيء من اللون ولا الضوء ما لم تحصل صورة اللون والضوء في شيء من العضو الحاس، فليس يدرك الحاس اللون بما هو لون ولا الضوء بما هو ضوء إلا في زمان، أعني أن الآن الذي يقع عنده الإحساس باللون بما هو لون وبالضوء بما هو ضوء هو غير الآن الذي هو أول آن ماس عنده الهواء الحامل لصورة سطح البصر.
فقد تبين من جميع ما ذكرنا كيف يدرك البصر الضوء بما هو ضوء، وكيف يدرك اللون بما هو لون، وكيف يدرك مائية اللون، وكيف يدرك مائية الضوء، وكيف يدرك كيفية الضوء.
فأما البعد، فهو بعد المبصر عن البصر فإن البصر ليس يدركه بمجرد الإحساس. وليس إدراك بعد المبصر هو إدراك موضع المبصر، ولا إدراك المبصر في موضعه من إدراك بعده فقط، ولا إدراك موضع المبصر من إدراك بعده فقط. وذلك أن موضع البصر يتقوم من ثلاث معان: من البعد ومن الجهة ومن كمية البعد.