الصفحة 183 من 245

وكذلك إذا عرض للبصر عشًا أو مرض يغير صورته ولم يمنعه ذلك المرض عن إدراك المبصرات بالكلية، فإنه إذا أدرك البصر وهو على ما به من العشا أو المرض فليس يدرك صورته إدراكًا محققًا، ومع ذلك فربما شبه البصر المبصر الذي يدركه في تلك الحال بما يعرفه من أمثاله. وإذا لم يتحقق البصر صورة المبصر وشبهه مع ذلك بما يعرفه من المبصرات التي تشبهه في المعاني التي يدركها من المبصر فربما عرض له الغلط في تشبيهه.

وإذا شبه البصر المبصر بغيره وظنه ذلك الغير ولم يكن ذلك الغير، فهو غالط في شخصيته أو في نوعيته أو في مجموعهما، فيكون غلطه في المعرفة، وتكون علة هذا الغلط هو خروج البصر عن عرض الاعتدال. لأن البصر إذا كان صحيحًا فإنه يدرك المبصرات على ما هي عليه إذا كانت جميع المعاني الباقية التي في تلك المبصرات التي بها يتم إدراك المبصرات على ما هي عليه في عرض الاعتدال. فعلى هذه الصفة وأمثالها يكون غلط البصر في المعرفة من أجل خروج صحة البصر عن عرض الاعتدال.

فقد تبين من جميع ما شرحناه كيف يكون غلط البصر في المعرفة بحسب كل واحدة من العلل التي من اجلها يعرض للبصر الغلط.

قد تبين في المقالة الثانية ان أكثر المعاني التي تدرك بحاسة البصر إنما تدرك بالقياس، وتبين ما هي المعاني التي تدرك بالقياس. وقد تبين أن صور جميع المبصرات إنما هي مركبة من المعاني الجزئية. وأكثر أغلاط البصر في المعاني الجزئية وصور المبصرات إنما يكون غلطًا في القياس. والغلط في القياس يكون على وجهين: يكون في المقدمات ويكون في ترتيب القياس. والغلط في المقدمات يكون على ثلثة أوجه: أحدها أن يأخذ التمييز مقدمة كاذبة ويظنها صادقة، والثاني أن يأخذ مقدمة جزئية ويظنها كلية، والوجه الثالث هو الغلط في اكتسب المقدمات. وذلك يكون في الإبصار إذا كان في المبصر معان ظاهرة ومعان خفية وقد يمكن أن تظهر عند استقصاء التأمل، واعتمد البصر ما يظهر في المبصر من المعاني التي فيه ولم يستقرئ جميع المعاني التي فيه ولم يتأمله تأملًا محققًا، إما على طريق السهو وضعف التمييز وإما لأنه لا يتمكن في الحال من تأمله. وإذا لم يستقرئ البصر جميع المعاني التي في المبصر التي يمكن أن يدركها البصر واعتمد المعاني الظاهرة التي في المبصر وحكم بنتائجها وقطع بنتائجها فهو غالط فيما يدركه من نتائج تلك المعاني. وذلك لأن البصر إذا تأمل المبصر تأملًا محققًا، وأدرك المعاني المحققة التي لم يكن أدركها، كانت نتيجة المعاني التي يظهرها التأمل المحقق مع المعاني الظاهرة غير النتيجة التي تنتجها المعاني الظاهرة فقط. وإذا لم يتمكن البصر من تأمل المبصر التأمل المحقق، وأحس بأنه ليس يتمكن من تأمله، فإنه لا يقطع بنتيجة المقدمات الظاهرة، بل يكون شاكًا غير متيقن لتلك النتيجة. فإن لم يستقرئ البصر جميع المعاني التي في المبصر ولم يتمكن من استقراء جميع المعاني التي في المبصر، وعول على المعاني الظاهرة، وسكن إلى نتائجها ولم يشك مع ذلك في نتائجها، فهو غالط في القياس من حيث هو غالط في اكتساب مقدمات القياس ومنتج ببعض المقدمات التي ينبغي أن تكون النتيجة بجميعها. وأغلاط البصر في القياس تمون على الوجوه التي فصلناها.

البعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت