فأما كيف يكون غلط البصر في القياس من أجل خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال، إذا عرض الغلط في مقدار البعد، فكالأشخاص القائمة على وجه الأرض، مثل النخل والشجر والعمد، إذا أدركها البصر من بعد متفاوت مسرف التفاوت، وكانت تلك النخل والشجر والعمد مختلفة الأبعاد وكانت على سموت متفرقة بحيث لا يستر بعضها بعضًا، وكانت مع ذلك متشابهة الصور في اللون وفي الضوء المشرق عليها: فإن البصر إذا أدرك الأشخاص التي بهذه الصفة فإنه لا يدرك اختلاف أبعادها، ولا يفرق بين الأبعد منها والقرب إذا كان أقربها متفاوت البعد مسرف التفاوت. وإذا لم يفرق بين الأبعد منها والأقرب فإنه ربما ظن بتلك الأشخاص أو ببعضها أنها متساوية الأبعاد. وإذا ظن البصر بالمبصرات المختلفة الأبعاد أنها متساوية الأبعاد فهو غالط في أبعادها. والغلط في البعد وفي اختلاف البعد وفي تساوي الأبعاد فهو غلط في القياس لأن هذه المعاني إنما تدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج أبعاد الأشخاص التي بهذه الصفة عن عرض الاعتدال. لأن الأشخاص التي بهذه الصفة إذا كانت على أبعاد معتدلة فإن البصر يدرك اختلاف أبعادها على ما هو عليه إذا كانت المعاني الباقية التي في هذه الأشخاص في عرض الاعتدال.
وإنما ليس يدرك البصر اختلاف هذه الأشخاص من البعد المتفاوت لن الأبعاد المتفاوتة ليس يدرك البصر مقاديرها إدراكًا محققًا، وإذا لم يتحقق مقادير الأبعاد لم يدرك تفاضل بعضها على بعض، وإذا لم يدرك تفاضل بعضها على بعض، ولم تكن المبصرات يستر بعضها بعضًا، لم يفرق البصر بين الأبعد منها والأقرب. وهذا الغلط بعينه يعرض للبصر دائمًا إذا نظر إلى الكواكب واتفق أن يكون فيها كوكب من الكواكب المتحيرة، فإذا أدرك الكوكب من الكواكب المتحيرة والكوكب من الكواكب الثابتة معًا فإنه لا يدرك الاختلاف الذي بين بعد الكوكب المتحير وبين أبعاد الكواكب الثابتة، وإنما يدركها كأنها جميعها في سطح واحد، المتحيرة منها والثابتة، مع الاختلاف المتفاوت بين أبعاد الكواكب الثابتة والمتحيرة. وإنما يعرض للبصر هذا الغلط لتفاوت أبعاد الكواكب، لأن الأبعاد المتفاوتة ليس يدرك البصر مقاديرها ولا يدرك زيادة بعضها على بعض، ولأن البصر إنما يدرك أبعاد المبصرات إذا كانت أبعادها من الأبعاد المعتدلة وكانت مع ذلك مسامتة لأجسام مرتبة. فإذا كانت المبصرات متفاوتة البعاد، ولم يستر بعضها بعضًا، فليس يدرك البصر مقادير أبعادها، كانت أبعادها مسامتة لأجسام مرتبة.
الوضع وقد يعرض للبصر الغلط في أوضاع المبصرات أيضًا من اجل خروج البعد عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر إذا نظر إلى مبصر متفاوت البعد، وكان ذلك المبصر مائلًا على خطوط الشعاع ولم يكن مواجهًا، فإن البصر يدركه كأنه مواجه ولا يحس بميله. ولذلك صار البصر يدرك الجسم المربع الشكل المتساوي الأضلاع من البعد المتفاوت مستطيلًا، ويدرك الجسم المستدير المسطح مستطيلًا، إذا كانا مائلين على خطوط الشعاع. ولو كان البصر يحس بميل المربع والمستدير من البعد المتفاوت إذا كانا مائلين على خطوط الشعاع لأحس بتساوي أضلاع المربع واستدارة المستدير من البعد المتفاوت. وهذا الغلط هو غلط في القياس لأن وضع المبصر يدرك بالقياس، وعلة هذا الغلط هو خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال. لن المربع والمستدير إذا أدركهما البصر من بعد معتدل فإنه يدرك تربيع المربع ويدرك استدارة المستدير على ما هما عليه وإن كانا مائلين على خطوط الشعاع، إذا كانت المعاني الباقية التي في تلك المبصرات في عرض الاعتدال.