الصفحة 71 من 245

قد تبين في المقالة الأولى كيف يكون الإبصار بالجملة، وهو كيفية إحساس البصر لصورة الضوء واللون اللذين في المبصر مرتبة على ما هي عليه في سطح المبصر. والبصر يدرك من المبصرات معاني كثيرة من المعاني التي تكون في المبصرات غير الضوء واللون.

وأيضًا فإنه قد تبين في المقالة الأولى أن الإبصار إنما يكون من سموت خطوط الشعاع. وخطوط الشعاع تختلف أحوالها، وتختلف أحوال الصور التي ترد عليها إلى البصر.

وأيضًا فإن إدراك البصر للمبصرات ليس يكون في جميع الأوقات ولجميع المبصرات وعلى جميع الأحوال على صفة واحدة، بل تختلف كيفية إحساس البصر بالمبصرات، وتختلف كيفية إحساس البصر بالمبصر الواحد من البعد الواحد ومن الوضع الواحد بحسب قصد الناظر وتعمله لإدراك المبصر وتعمده لتمييز المعاني التي فيه.

ونحن نبين في هذه المقالة اختلاف أحوال خطوط الشعاع، ونميز خواصها، ونفصل أيضًا جميع المعاني التي يدركها البصر، ونبين كيف يدرك البصر كل واحد منها، ونميز كيفية إدراك ابصر للمبصرات، ونبين اختلاف إدراك البصر لها.

قد تبين في المقالة الأولى أن خطوط الشعاع التي من سموتها يدرك البصر المبصرات هي الخطوط المستقيمة التي تلتقي أطرافها عند مركز البصر وقد تبين في هيئة البصر أن العضو الحاس الذي هو الرطوبة الجليدية مركب على طرف تجويف العصبة التي جملة العين مركبة عليها، وأن هذه العصبة إذا كانت منحنية فإن انحنائها يكون من خلف مركز البصر ومن وراء جملة العين وعند الثقب الذي في مقعر العظم.

وقد تبين أيضًا أن الخط المستقيم الذي يم بجميع مراكز طبقات البصر يمتد في وسط تجويف العصبة وينتهي على استقامة إلى وسط موضع الانحناء من تجويف العصبة التي في العين مركبة عليها، ويمر بمركز الثقب الذي في مقدم العنبية، وتبين أيضًا أن هذا الخط ليس يتغير وضعه عند جملة البصر ولا عند سطوح طبقات البصر ولا عند أجزاء البصر. فالخط المستقيم الذي يمر بجميع مراكز طبقات البصر يكون أبدًا ممتدًا على استقامة إلى موضع الانحناء من تجويف العصبة التي العين مركبة عليها على تصاريف أحوال البصر في حال حركته وفي حال سكونه. ولأن هذا الخط يمر بمركز البصر وبمركز الثقب الذي في مقدم العنبية فهو يمتد في وسط المخروط الذي رأسه مركز البصر ويحيط به محيط الثقب الذي في مقدم العنبية الذي فيه ترد الصور إلى البصر. فلنسم هذا الخط سهم المخروط.

وقد تبين أيضًا في المقالة الأولى أن المخروط الذي يتشكل بين المبصر ومركز البصر يفصل من سطح الجليدية جزءًا يشتمل على جميع صورة المبصر الذي عند قاعدة ذلك المخروط، وتكون الصورة مرتبة في هذا الجزء من سطح الجليدية بسموت خطوط الشعاع الممتدة بين المبصر ومركز البصر كترتيب أجزاء سطح المبصر، وإنما الجليدية تحس بالمبصر من الصورة التي تترتب في هذا الجزء من سطحها. فإذا أدرك البصر مبصرًا من المبصرات وحصلت صورته في الجزء من سطح الجليدية الذي يحوزه المخروط المتشكل بين البصر وذلك المبصر، فإن كل نقطة من الصورة التي تحصل في هذا الجزء من سطح الجليدية هي على خط الشعاع الممتد بين تلك النقطة وبين النقطة النظيرة لها من سطح المبصر الذي عليه وردت الصورة إلى تلك النقطة من سطح الجليدية على استقامة. فإذا كانت صورة المبصر في وسط سطح الجليدية كان السهم الذي ذكرناه أحد الخطوط التي وردت عليها صور النقط التي في سطح ذلك المبصر على استقامة، وتكون النقطة من سطح المبصر التي عند طرف هذا السهم هي التي وردت صورتها على هذا السهم.

وقد تبين في المقالة الأولى أن الصور التي يدركها البصر من المبصرات تمتد في جسم الجليدية وفي تجويف العصبة التي العين مركبة عليها، وتنتهي إلى العصبة المشتركة التي عند وسط مقدم الدماغ، وهناك يكون إدراك الحاس الأخير لصور المبصرات، وأن الإبصار ليس يتم إلا بوصول الصورة إلى العصبة المشتركة، وان امتداد الصور من سطح الجليدية في جسم الجليدية يكون على استقامة خطوط الشعاع فقط، لأن الجليدية ليس تقبل هذه الصور إلا من سموت خطوط الشعاع فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت