فأما غلط البصر في المعرفة من أجل خروج الزمان الذي فيه يدرك البصر المبصر عن عرض الاعتدال فكالمبصر الذي يدركه البصر من باب أو منفذ أو خرق أو موضع مخصوص، ويكون ذلك المبصر متحركًا مجتازًا بذلك الباب أو المنفذ، فيدركه البصر في مدة قطعه لعرض ذلك الباب أو المنفذ فقط ثم يغيب عنه، فيعرض من ذلك أن يكون الزمان الذي يدرك فيه المبصر محصورًا. فإذا كان ذلك المبصر يتحرك حركة سريعة فإن الزمان الذي يقطع فيه المبصر المتحرك عرض تلك المسافة التي يدركه فيها البصر يكون زمانًا يسيرًا جدًا. وإذا كان الزمان الذي يدرك فيه البصر المبصر يسيرًا محصورًا فإنه ربما لم يتمكن في ذلك القدر من الزمان من تأمل المبصر تأملًا محققًا. وإذا لم يتمكن من تأمل المبصر تأولًا محققًا فربما اشتبهت عليه صورته ولم يدركها إدراكًا محققًا. وإذا كان لمبصر المتحرك إنسانًا فربما شبهه بإنسان آخر يعرفه إذا كان في ذلك المبصر مشابه من ذلك الإنسان الذي يشبهه به ويظنه ذلك الإنسان بعينه ولا يكون ذلك الإنسان. وكذلك إن كان حيوانًا غير الإنسان فربما أشبهه البصر بنظير له ولا يكون ذلك النظير الذي شبهه به. وكذلك إن كان المبصر جمادًا كثوب أو آنية أو نبات أو ثمر أو غير ذلك من الجمادات إذا اجتاز به مجتاز فربما شبهه البصر بغيره ولا يكون ذلك الغير. وكذلك إن كان البصر متحركًا ولمح في حركته مبصرًا من المبصرات وتجاوزه قبل أن يتمكن من تأمله لسرعة حركته، فإنه ربما شبهه بغيره وظنه ذلك الغير ولا يكون ذلك الغير.
وإذا شبه البصر المبصر بنظير له وظنه ذلك بعينه ولم يكن ذلك الذي شبهه به فهو غالط في إدراكه ويكون غلطه غلطًا في المعرفة. لأنه إذا شبهه بغيره ولم يكن ذلك الغير فهو غالط في شخصيته أو في نوعيته. وعلة هذا الغلط هو خروج الزمان الذي فيه يدرك البصر ذلك المبصر عن عرض الاعتدال بالإفراط في القصر. لأن البصر إذا أدرك ذلك المبصر، وكان الزمان الذي يدركه فيه فسيحًا يتمكن فيه من تأمل ذلك المبصر، فليس يعرض للبصر الغلط في مائية ذلك المبصر إذا كانت جميع المعاني الباقية التي في ذلك المبصر التي بها يتم إدراك المبصر على ما هو عليه في عرض الاعتدال. فعلى هذه الصفة وأمثالها يكون غلط البصر في المعرفة من أجل خروج الزمان الذي يدرك فيه البصر المبصر عن عرض الاعتدال.
فأما غلط البصر في المعرفة من أجل خروج البصر نفسه عن عرض الاعتدال فكالبصر إذا نظر إلى روضة خضراء قد أشرق عليها ضوء الشمس وأطال النظر إليها، أو نظر إلى جسم مشرق اللون كالأرجواني والفرفيري والصعوي أو ما شابه ذلك وقد أشرق عليه ضوء الشمس، وأطال النظر إليه، ثم التفت إلى مبصرات بيض، وتكون تلك المبصرات في الظل وفي ضوء معتدل، فإنه يدرك تلك المبصرات خضراء إذا كان قد أطال النظر إلى الرياض.وإذا كان قد أطال النظر إلى جسم ذي لون مشرق صبغ أدرك تلك المبصرات التي يدركها من بعده ملتبسة بلونه. وذلك لأن البصر إذا أطال النظر إلى الرياض أو إلى لون من الألوان المشرقة التي قد أشرق عليها ضوء الشمس حصلت صورة تلك الخضرة أو ذلك اللون المشرق في البصر وتلك الصورة ثابتة فيه زمانًا، فإذا التفت البصر إلى المبصرات البيض في تلك الحال وتلك الصورة باقية فيه أدرك بياض تلك المبصرات ملتبسًا بصورة اللون التي قد حصلت فيه. وإذا لم يكن قد أدرك تلك المبصرات البيض قبل تلك الحال فإنه لا يعلم أنها بيض.
وإذا أدرك البصر المبصرات البيض خضرًا أو ذوات لون صبغ فإنه غالط في ألوانها، ومائية اللون إنما تدرك بالمعرفة، فيكون غلط البصر فيما هذه حاله غلطًا في المعرفة، وتكون علة هذا الغلط هو خروج المبصر نفسه عن عرض الاعتدال بالتغير الذي حصل فيه. لأن البصر إذا كان سليمًا ولم يعرض له عارض يغير صورته فإنه يدرك ألوان المبصرات على ما هي عليه إذا كانت جميع المعاني الباقية التي في تلك المبصرات التي بها يتم إدراك المبصرات على ما هي عليه في عرض الاعتدال.