الصفحة 181 من 245

وقد يكون الثوب المشف في خيوطه بعض الغلظ وفي ثقوبه بعض السعة، ويدرك البصر خيوط ذلك الثوب متفرقة ويدرك ثقوبه متفرقة، ومع ذلك يدرك لون الجسم المتلون الذي يظهر من وراءه ممتزجًا بلونه. إلا أن الجسم المتلون الذي يدرك على هذه الصفة ليس يكون امتزاج لونه بلون الثوب امتزاجًا قويًا، بل يكون الذي يمازج لونه من لون الثوب دون ما يمازج لونه من لون الثوب المشف الذي في غاية دقة الخيوط والثقوب. والجسم المتلون الذي يدرك من وراء الثوب المقتدر الخيوط والثقوب إنما يمازج لونه لون الثوب لأن الخيوط لها زئبر دقيق، وكل ثقب من ثقوب ذلك الثوب يعترض فيه زئبر متفرق لتلك الخيوط، ويكون التفرق الذي فيما بين الزئبر في غاية الدقة. فإذا نفذت صورة لون ذلك الجسم المتلون من تلك الثقوب كان في تضاعيفها لون ذلك الزئبر، فتصير الجزاء من البصر التي يحصل فيها لون ذلك الزئبر، فتصير الأجزاء من البصر التي يحصل فيها لون ذلك الزئبر في غاية الصغر، ولون الصورة التي تنفذ فيما بين ذلك الزئبر في تضاعيف تلك الأجزاء الصغار من البصر، فلذلك يظهر لون الجسم المتلون من وراء الثوب المتلون الذي بهذه الصفة ممتزجًا بلون الثوب امتزاجًا ما. والثوب الدقيق الخيوط أيضا ًيكون فيه مثل هذا الزئبر، فيجتمع في الثوب الذي بهذه الصفة صغر الأجزاء التي يحصل فيها لون الخيوط وصغر الأجزاء التي يحصل فيها لون الزئبر، فلا تتميز للبصر هذه الأجزاء، فيدرك البصر لون الجسم المتلون من وراء هذا الثوب ممتزجًا بلونه، ومع ذلك لا تتميز خيوط الثقب لصغرها، ولذلك يكون امتزاج لون هذا الثوب بلون الجسم المتلون الذي يظهر من ورائه أشد من امتزاج الجسم المتلون بلون الثوب المقتدر الخيوط والثقوب.

وأيضًا فإن البصر إذا أدرك الخيال الذي يظهر من خلف الإزار، وكان الخيال أشخاصًا يحركها المخيل فتظهر أظلالها على الجدار الذي من وراء الإزار وعلى الإزار نفسه، فإن البصر يدرك تلك الأظلال من وراء الإزار ويظنها أجسامًا وحيوانات تتحرك إذا لم يتقدم علم الناظر بأنها أظلال ولم يدرك الأشخاص التي يحركها المخيل في تلك الحال التي تلك الأظلال أظلالها.

وإذا أدرك البصر الأظلال وظنها حيوانات وأشخاصًا فهو غالط في مائيات تلك الحيوانات وتلك الأشخاص، والغلط في مائية المبصر هو غلط في المعرفة، وعلة هذا الغلط هو خروج شفيف الهواء المتوسط بين البصر وبين تلك المبصرات عن عرض الاعتدال.لأنه لو رفع الإزار الذي يقطع الهواء المتوسط بين البصر وبين تلك الأظلال لأدرك البصر تلك الأظلال أظلالًا ولم يظنها أشخاصًا ولا حيوانات ولم يعرض له الغلط في مائياتها إذا كانت المعاني الباقية التي بها يتم إدراك المبصرات على ما هي عليه في عرض الاعتدال. فعلى هذه الصفة وأمثالها يعرض للبصر الغلط في المعرفة من أجل خروج شفيف الهواء عن عرض الاعتدال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت