وكذلك أعظام الأعضاء وأوضاعها وترتيبها. فإن كبر العينين مع حسن شكلها ومع قنو الأنف وبالاعتدال وبالعظم المناسب لكبر العينين مستحسن. وكذلك تلويز العينين وحلاوة شكلها وإن صغرتا مع دقة الأنف واعتدال شكله ومقداره إذا اجتمعا في الوجه كان مستحسنًا. وكذلك دقة الشفتين مع لطافة الفم مستحسن إذا كانت لطافة الفم مناسبة لدقة الشفتين، أعني أن لا تكون الشفتان في غاية الدقة والفم ليس في غاية الصغر، بل يكون صغر الفم معتدلًا والشفتان دقيقتين ومع ذلك مناسبة لمقدار الفم. وكذلك سعة الوجه إذا كان مناسبًا لمقادير أعضاء الوجه كان مستحسنًا، أعني أن لا يكون الوجه في غاية السعة وأعضاء الوجه صغارًا أعني غير مناسبة لمقدار جملة الوجه. فإن الوجه إذا كان واسعًا مسرف السعة وكانت الأعضاء التي فيه صغارًا غير مناسبة لمقداره كان الوجه غير مستحسن وإن كانت مقادير الأعضاء متناسبة وأشكالها مستحسنة. وكذلك إن كان الوجه صغيرًا ضيقًا وأعضاؤه كبارًا غير مناسبة لمقداره كان الوجه مستقبحًا. وإذا كانت الأعضاء متناسبة ومناسبة لمقدار سعة الوجه فإن الصورة تكون مستحسنة وإن لم يكن كل واحد من الأعضاء على انفراده مستحسنًا في شكله ومقداره.
بل التناسب فقط قد يفعل الحسن إذا لم نكن الأعضاء على انفرادها مستقبحة وإن لم تكن في غاية حسنها. فإذا اجتمع في الصورة حسن أشكال كل واحد من أجزائها وحسن مقاديرها وحسن تأليفها وتناسب الأعضاء في الأشكال والأعظام والأوضاع وجميع المعاني التي يقتضيها التناسب، وكانت مع ذلك مناسبة لجملة شكل الوجه ومقداره، فهو غاية الحسن. والصورة التي يحصل فيها بعض هذه المعاني دون بعض يكون حسنها بحسب ما فيها من المعاني المستحسنة.
وكذلك الخط ليس يكون مستحسنًا إلا إذا كانت حروفه متناسبة في أشكالها ومقاديرها وترتيبها. وكذلك جميع أنواع المبصرات التي يجتمع فيها أجزاء مختلفة.
فإذا استقرئت الصور المستحسنة من جميع أنواع المبصرات وجد التناسب يفعل فيها من الحسن ما ليس يفعله كل واحد من المعاني الجزئية على انفراده وما ليس تفعله المعاني الجزئية أيضًا التي تجتمع في الصورة باقتران بعضها ببعض. وإذا تؤملت المعاني المستحسنة التي تفعلها المعاني الجزئية باقتران بعضها ببعض أيضًا وجد الحسن الذي يظهر من اقترانها إنما يظهر لتناسب ما يحصل فيما بين تلك المعاني المقترنة وائتلافها. لأنه ليس كلما اجتمع ذلك المعنيان أو تلك المعاني حدث ذلك الحسن، بل في بعض الصور دون بعض، وهو لتناسب يؤلف بين المعنيين أو المعاني المجتمعة في الصورة. فالحسن إنما يكون من المعاني الجزئية، وتمامه وكماله إنما هو من التناسب والائتلاف الذي يحدث بين المعاني الجزئية.