فقد تبين مما ذكرناه آن كل واحد من المعاني الجزئية التي تدرك بحاسة البصر التي بينا تفصيلها قد تفعل الحسن على انفراده. وإذا استقرئت وجد كل واحد من هذه المعاني قد تفعل الحسن في مواضع كثيرة. وإنما ذكرنا ما ذكرناه على طريق المثال، وليستدل بكل واحد من الأمثلة على نظائره، وليتطرق به إلى استقراء أمثاله من أراد البحث عن كيفية تأثيرات هذه المعاني في الصور المستحسنة. إلا أنه ليس تفعل هذه المعاني الحسن في كل المواضع ولا يفعل الواحد من هذه المعاني الحسن في كل صورة يحصل فيها ذلك المعنى، بل في بعض الصور دون بعضها. ومثال ذلك العظم ليس يفعل الحسن في كل جسم مقتدر العظم. وكذلك اللون: ليس كل لون يفعل الحسن، ولا اللون الواحد يفعل الحسن في كل جسم يحصل فيه ذلك اللون. وكذلك الشكل:ليس كل شكل يفعل الحسن. وكل واحد من المعاني الجزئية التي ذكرناها تفعل الحسن بانفراده، ولكن في بعض المواضع دون بعضها وعلى بعض الصفات دون بعضها.
وأيضًا فإن هذه المعاني قد تفعل الحسن باقتران بعضها ببعض. وذلك أن الخط الحسن هو الذي تكون أشكال حروفه أشكالًا مستحسنة وتأليف بعضها ببعض تأليفًا مستحسنًا، وهو غاية حسن الخط. فإن الخط الذي يجتمع فيه هذان المعنيان أحسن من الخط الذي يكون فيه أحد هذين المعنيين دون الآخر. فغاية حسن الخط إنما يكون من اقتران الشكل والوضع.
وكذلك الألوان المشرقة الرائقة والنقوش إذا كانت مرتبة ترتيبًا منتظمًا متشاكلًا كانت أحسن الألوان والنقوش التي ليس لها ترتيب منتظم.وكذلك صور أشخاص الناس والحيوانات قد يظهر فيها الحسن من اقتران المعاني الجزئية التي فيها. وذلك أن كبر العينين الكبر المعتدل مع تلويز شكلها أحسن من العين التي لي لها إلا الكبر فقط أو التلويز فقط. وكذلك سهولة الخدين مع ورقة اللون أحسن من الخدين السهلين مع انكساف اللون وأحسن من الخدين الجاحظين وإن كانا رقيقي اللون. وكذلك استدارة الوجه مع رقة اللون أحسن من صغر الفم مع غلظ الشفتين وأحسن من رقة الشفتين مع سعة الفم. وهذا المعنى كثير التيقن.
وإذا استقرئت الصور المستحسنة في جميع المبصرات وجد اقتران المعاني الجزئية التي تكون في الصور تفعل فيها أنواعًا من الحسن لا يفعله الواحد من المعاني على انفراده. وأكثر الحسن الذي يدرك بحاسة البصر إنما يتقوم من اقتران هذه المعاني بعضها ببعض. فالمعاني الجزئية التي ذكرناها تفعل الحسن بانفرادها وتفعل الحسن باقتران بعضها ببعض.
وقد يتقوم الحسن من الحسن من معنى آخر غير كل واحد من المعنيين اللذين ذكرناهما، وهو الناسب والإئتلاف. وذلك أن الصور المركبة المتألفة من أعضاء مختلفة يحصل لأجزائها أشكال مختلفة وأعظام مختلفة وأوضاع مختلفة واتصال وافتراق، ويحصل في كل واحد منها عدة معان من المعاني الجزئية، وليس جميعها يكون متناسبًا ومتآلفًا. وذلك أنه ليس كل شكل يحسن مع كل شكل ولا عظم يحسن مع كل عظم ولا كل وضع يحسن مع كل وضع ولا كل شكل يحسن مع كل عظم ولا كل عظم مع كل وضع، بل كل واحد من المعاني الجزئية يتناسب بعض المعاني ويباين بعضها، وكل مقدار فهو يناسب بعض المقادير ويباين بعضها. ومثال ذلك قنو الأنف مع غؤور العينين غير مستحسن، وكذلك كبر العينين مع كبر الأنف المسرف الكبر غير مستحسن، وكذلك نتوء الجبهة مع غؤور العينين غير مستحسن وتطامن الجبهة مع جحوظ العينين غير مستحسن. فلكل عضو من الأعضاء شكل وأشكال تحسن صورته، ومع ذلك فكل شكل من أشكال كل واحد من الأعضاء إنما يناسب بعض الأشكال التي للأعضاء الباقية دون بعضها، وتحسن الصورة باجتماع الأشكال المناسبة لأعضاء الصورة.