ينشق من مقدم الدماغ عصبتان جوفاوان متشابهتان يبتدئان من موضعين عن جنبتي مقدم الدماغ ويقال إن كل واحدة منهما طبقتان وأنهما ينشآن من غشائي الدماغ فينتهيان إلى الوسط من ظاهر مقدم الدماغ، ثم يلتقيان فيصيران عصبة واحدة جوفاء، ثم تنقسم هذه العصبة فتصير أيضًا عصبتين جوفاويين متساويتين، ثم تمتد هاتان العصبتان حتى تنتهيا إلى حدبتي العظمين المقعرين المحيطين بجملتي العينين.
وفي وسطي تقعيري هذين العظمين ثقبان متساويان نافذان وضعهما من العصبة المشتركة وضع متشابه. فتدخل العصبتان في هذين الثقبين وتخرجان إلى تقعيري العظمين، فإذا وصلا إلى تقعيري العظمين انتشرا واتسعا وصار طرف كل واحد منهما كالقمع. وكل واحدة من العينين مركبة على هذا الطرف من العصبة الذي هو كالقمع وملتحم به. ووضع كل واحدة من العينين من العصبة المشتركة وضع متشابه.
وجملة كل واحدة من العينين مركبة من عدة طبقات.
فأولها شحمة بيضاء تملأ مقعر العظم وهي معظم العين وتسمى الملتحمة.
وفي داخل هذه الشحمة كرة مستديرة جوفاء سوداء في الأكثر وزرقاء وشهلاء في بعض الأبصار. وجسم هذه الكرة رقيق، ومع ذلك صفيق ليس بالسخيف، وظاهرها ملتصق بالملتحمة، وداخلها أجوف وفي باطن داخلها شبيه بالخمل، والملتحمة مشتملة على هذه الكرة ما سوى مقدمها فإن الملتحمة ليس تغطي مقدم هذه الكرة بل تستدير على مقدمها. وتسمى هذه الطبقة العنبية لأنها تشبه العنبة.وفي وسط مقدم العنبية ثقب مستدير نافذ إلى تجويفها، وهو مقابل لطرف تجويف العصبة التي العين مركبة عليها.
ويغطي هذا الثقب وجميع مقدم العنبية الذي حوله الملتحمة من خارج طبقة متينة بيضاء تسمى القرنية لأنها تشبه بالقرن الأبيض في المشف.
وفي صدر مقعر العنبية كرة صغيرة بيضاء رطبة متماسكة الرطوبة ومع ذلك ترفة وفيها شفيف ليس في الغاية بل فيها بعض الغلظ، ويشبه شفيفها شفيف الجليد، وتسمى الجليدية. وسميت بهذا الاسم من أجل شبه شفيفها وهي مركبة على طرف تجويف العصبة . وفي مقدم هذه الكرة تسطيح يسير يشبه تسطيح ظاهر العدسة، فسطح مقدمها قطعة من سطح كري أعظم من السطح الكري المحيط ببقيتها. وهذا السطح مقابل للثقب الذي في مقدم العنبية ووضعه منه وضع متشابه.
وهذه الرطوبة تنقسم بجزء ين مختلفي الشفيف ، أحدهما يلي مقدمها والجزء الآخر يلي مؤخرها. والجزء المتأخر منها يشبه شفيفه شفيف الزجاج المرضوض، فيسمى هذا الجزء بالرطوبة الزجاجية. وشكل مجموع الجزءين رقيق في غاية الرقة والسخافة يسمى العنكبوتية لنه يشبه بنسج العنكبوت.
وفي صدر مقعر العنبية ثقب مستدير هو على طرف تجويف العصبة، والجليدية مركبة في هذا الثقب. واستدارة هذا الثقب، وهو طرف العصبة، تحيط بوسط كرة الجليدية، وتلتحم العنبية بالجليدية من الدائرة المحيطة بهذا الثقب. ويقال إن العنبية منشأها من الطبقة الداخلة من طبقتي العصبة المجوفة وأن القرنية منشأها من الطبقة الخارجة من طبقتي هذه العصبة.
ويملأ تجويف العنبية رطوبة بيضاء رقيقة صافية مشفة تسمى الرطوبة البيضية لأنها تشبه بياض البيض في رقته وبياضه وشفيفه. وهي تمل تجويف العنبية وتماس مقدم الجليدية وتمل الثقب الذي في مقدم العنبية وتماس مقعر القرنية.
وكرة الجليدية مركبة على تجويف العصبة، ويلي تجويف العصبة الرطوبة الزجاجية، فتكون القرنية والرطوبة البيضية والرطوبة الجليدية والزجاجية متوالية متماسة. وجميع هذه الطبقات مشفة، والثقب الذي في مقدم العنبية مقابل لمقدم تجويف العصبة ، فيكون بين سطح القرنية وبين مقدم تجويف العصبة سموت مستقيمة تملأها أجسام مشفة متماسة.
ويقال عن الروح الباصرة تنبعث من مقدم الدماغ وتملأ تجويف العصبتين الأوليين المتصلتين بالدماغ، وتنتهي إلى العصبة المشتركة فتملأ تجويف هذه العصبة، وتمتد في العصبتين الثانيتين الجوفاوين فتملأهما وتنتهي إلى الجليدية فتغطيها القوة الباصرة.
وبين محيط الجليدية الملتحم بالعنبية وبين الثقب الذي في مقعر العظم الذي منه تخرج العصبة مسافة مقتدرة، والعصبة تمتد في هذه المسافة من نهاية الثقب إلى محيط الجليدية على انخراط واتساع، وكلما بعدت عن الثقب اتسعت إلى أن تنتهي إلى محيط كرة الجليدية وتلتحم بمحيطها.