الصفحة 169 من 245

فأما المعاني التي يدركها البصر بالمعرفة والصور التي يدركها البصر بالمعرفة فهي جميع المبصرات المألوفة التي قد تكرر إدراك البصر لها ولأنواعها وألفها البصر لكثرة إدراكها. فمنها ما أصل إدراك البصر لها بمجرد الحس، ثم لكثرة تكررها على البصر صار البصر يعرفها في حال إدراكه لها، كأنواع الأضواء وأنواع الألوان، فإن البصر يعرف ضوء الشمس لكثرة تكرره عليه، ويفرق بينه وبين ضوء القمر وبين ضوء النار، وأصل إدراكه لضوء الشمس ولكل واحد من الأضواء إنما هو بمجرد الحس. ويعرف أيضًا كل واحد من الألوان المألوفة ويفرق بينها بالمعرفة لكثرة تكرر الألوان المألوفة على البصر، وأصل إدراكه لكل لون من الألوان إنما هو بمجرد الحس، كما تبين في المقالة الثانية، لأن أصل إدراكه بما هو لون. ومنها ما أصل إدراك البصر لها بالقياس والتمييز ثم لكثرة تكررها على البصر صار البصر يدركها ويعرفها في حال إدراكه لها من غير استئناف قياس وتمييز بل بالأمارات فقط. وهذه هي جميع الصور المركبة التي قد ألفها البصر وكثر إدراكه لها، كصور الحيوانات المألوفة والثمار والنبات والآلات والجمادات وسائر المبصرات المألوفات، وجميع المعاني الجزئية أيضًا التي تدرك بقياس وتمييز وتكرر في المبصرات كالأشكال المألوفة التي هي الاستدارة والاستقامة والتثليث والتربيع، وكالملاسة والخشونة، وكظل مخصوص وظلمة مخصوصة وكحسن مخصوص وقبح مخصوص، وما يجري مجرى ذلك من المعاني الجزئية التي تدرك بحاسة البصر، وجميع المعاني الكلية التي توجد في أشخاص كل نوع من أنواع المبصرات كشكل الإنسان وشكل الفرس وهيئة الشجرة وهيئة النخلة وما يجري مجرى ذلك من المعاني الكلية التي توجد في كل نوع من أنواع المبصرات. فإنه قد تبين أن إدراك البصر لهذه المعاني يكون في مبدأ النشوء بالقياس والتمييز، ثم إذا استقرت صورها في النفس صار إدراك البصر لها بالمعرفة من غير استئناف قياس وتمييز في حال الإحساس. وكذلك الصور المركبة التي يكثر تكررها على البصر إنما يدركها البصر في أول وؤيتها بالتمييز والقياس، ثم إذا تكرر إدراكها وألفها البصر صار إدراكه لها بالمعرفة من غير استئناف قياس في حال الإحساس بل بالأمارات فقط.

فأما المعاني التي يدركها البصر بالقياس والتمييز في حال الإحساس فهي جميع الصور المركبة التي لم تتكرر على البصر ولم يكثر إدراك البصر لها وجميع المعاني الجزئية التي في الأشخاص الجزئية التي قد تبين أنها تدرك بالتمييز والقياس.

فجميع ما يدركه البصر من المبصرات ينقسم إلى هذه الأقسام الثلثة، فجميع أغلاط البصر ينقسم إلى هذه الثلثة الأقسام، فأنواع أغلاط البصر إذن ثلثة: غلط في مجرد الإحساس وغلط في المعرفة وغلط في التمييز والقياس.

والمثال في الغلط الذي يعرض في مجرد الإحساس فكإدراك البصر لمبصر ذي ألوان مختلفة وتكون ألوانًا قوية كالكحلي والخمري والفرفيري وما جرى مجراها إذا كان في موضع مغدر شديد الغدرة. فإن الجسم المتلون بهذه الألوان إذا كان في موضع مغدر شديد الغدرة، وليس فيه إلا ضوء يسير، فإن البصر يدرك المبصر الذي بهذه الصفة ذا لون واحد مظلم، ولا يتحقق حقيقة ألوانه. فإن لكم يكن تقدم علم الناظر بذلك المبصر فإنه يظنه ذا لون واحد أسود أو مظلم وإن كانت المعاني الباقية التي في ذلك المبصر التي بها يتم إدراك المبصر على ما هو عليه في عرض الاعتدال ما سوى الضوء. فيكون البصر قد غلط في إدراكه للون ذلك المبصر. فإن أدركه ذا لون واحد وهو ذو ألوان كثيرة، واللون بما هو لون إنما يدرك بمجرد الحس، فيكون هذا الغلط غلطًا بمجرد الإحساس، وتكون علة هذا الغلط هو خروج الضوء الذي في ذلك المبصر عن عرض الاعتدال بالإفراط في النقصان. لأن المبصر الذي بهذه الصفة إذا خرج من الموضع المغدر الذي هو فيه إلى ضوء معتدل، وكانت المعاني الباقية التي فيه التي بها يتم إدراك المبصر على ما هو عليه في عرض الاعتدال، فإن البصر يدرك ألوان ذلك المبصر مختلفة ويدرك كل واحد منها على ما هو عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت