الصفحة 145 من 245

وجميع المبصرات التي في التي في عالم الكون والفساد قابلة لتغير في ألوانها وفي أشكالها وفي أعظامها وفي هيئاتها وفي ملاستها وغفي خشونتها وفي ترتيب أجزائها وفي كثير من المعاني الجزئية التي تكون فيها، لأن طبيعتها مستحيلة متغيرة، ولأنها مع ذلك متهيئة للانفعال بما يعرض فيها من خارج. فالتغير طبيعي لها، والتغير الذي يصح أن يدركه البصر ممكن في جميعها وإن كان فيها ما ليس يمكن أن يظهر للبصر تغيره في الاستحالة، فليس شيء منها ليس يمكن أن يعرض له من خارج تغير يصح أن يظهر للبصر. فليس شيء من المبصرات التي في عالم الكون والفساد ليس يمكن أن يقبل تغيرًا يظهر للبصر. وإذا كانت جميع المبصرات متهيئة للتغير ويمكن أن تتغير تغيرًا ظاهرًا للبصر، فليس شيء من المبصرات التي يدركها البصر وقد تقدم إدراكه لها وتحقق صورته وهو ذاكر لصورها يكون واثقًا عند إدراكه لها في الثاني بأنه على صورته التي كان عليها في الأول ولم يحدث فيه تغير، إذ كان التغير ممكنًا في جميع المبصرات. فإذا أدرك البصر مبصرًا من المبصرات، وكان قد أدرك ذلك المبصر من قبل ذلك الوقت وتأمله وتحقق صورته، وكان ذاكرًا لصورته، فإنه في حال مشاهدته قد أدركه وقد عرفه. فإن كان قد حدث في ذلك المبصر تغير ظاهرًا أدرك ذلك التغير في حال مشاهدته. وإن لم يكن حدث فيه تغير ظاهر فهو يعرفه ويظنه عند معرفته على الصفة التي يعرفها منه، ومع ذلك فإنه إذا لم يستأنف تأمله فليس هو واثقًا بأن صورته التي يعرفها منه باقية على هيئتها ولم يتغير شيء منها، إذ كان ممكنًا أن يكون قد حدث فيه تغير خفي لا يظهر إلا بالتأمل، فإن استأنف تأمله تحققت له صورته، وإن لم يستأنف تأمله فليس يكون بإدراكه لذلك المبصر ومعرفته به متحققًا لصورته. فإدراك البصر للمبصرات بتقدم المعرفة وبالأمارات وباليسير من التأمل ليس هو إدراكًا محققًا، وليس يدرك البصر المبصر إدراكًا محققًا إلا بتأمل المبصر في حال إدراكه لذلك المبصر وبتفقد جميع المعاني الني في ذلك المبصر وتمييز جميعها في حال إدراكه لذلك المبصر.

فالإبصار يكون على وجهين: إبصار بالبديهة وإبصار بالتأمل. والإبصار بالبديهة يدرك به المبصر المعاني الظاهرة فقط، وليس يتحقق بالبديهة صورة المبصر. والإبصار بالبديهة يكون بمجرد البديهة وقد يكون بالبديهة مع تقدم المعرفة. والإبصار بمجرد البديهة هو إبصار المبصرات التي لا يعرفها البصر في حال ملاحظتها ولا يتأملها مع ذلك في الحال. والإبصار بالبديهة مع تقدم المعرفة هو إبصار المبصرات التي تقدمت معرفة البصر بها إذا عرفها البصر في حال ملاحظتها ولم يستأنف مع ذلك تأملها. وعلى كلى الحالين ليس يدرك البصر بالبديهة حقيقة المبصر، تقدمت معرفته بالمبصر أو لم تتقدم معرفته به.

والإبصار بالتأمل يكون على وجهين: إبصار بمجرد التأمل هو إبصار المبصرات التي لم يدركها البصر من قبل، أو ليس يذكر إدراكه لها إذا تأملها في حال إدراكها. والإبصار بالتأمل مع تقدم المعرفة هو إبصار جميع المبصرات التي قد أدركها البصر من قبل، وهو ذاكر لإبصارها، إذا استأنف مع معرفتها تأملها واستقرأ المعاني التي فيها. وهذا الإبصار ينقسم قسمين: أحدهما هو الإبصار المألوف للمبصرات المألوفة، وهذا القسم يكون بالأمارات التي تدرك باليسير من التأمل، واستقراء بعض المعاني التي في المبصر مع تقدم المعرفة. ويكون هذا الإبصار في أكثر الأحوال في زمان غير محسوس، وليس يكون ما يدرك على هذه الصفة إدراكاُ في غاية التحقيق. والقسم الثاني الذي يكون بغاية التأمل واستقراء جميع المعاني التي في المبصر في حال إدراك المبصر مع تقدم المعرفة بذلك المبصر، ويكون في الأكثر في زمان محسوس، ويختلف زمانه بحسب المعاني التي تكون في المبصر. والإبصار الذي بهذه الصفة هو الذي تدرك به المبصرات المألوفة إدراكًا في غاية التحقيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت