وإذ قد تبين جميع ذلك فإننا نقول إن الإبصار الذي يكون بتقدم المعرفة، إذا كان بالأمارات واليسير من التأمل، ولم يستأنف البصر تأمل جميع المعاني التي في المبصر، فليس هو إدراكًا محققًا. وذلك أن إدراك المبصر بتقدم المعرفة وبالأمارات إنما يدرك به جملة المبصر على ما هي عليه، وتدرك القوة المميزة المعاني الجزئية التي في ذلك المبصر على الصفة التي تعرفها لذلك المبصر من الصورة الأولة التي هي حاصلة في النفس لذلك المبصر. وقد تتغير المعاني الجزئية التي تكون في المبصرات بمرور الزمان، ومع ذلك فليس يدرك البصر المعاني التي تتغير من المبصر بتقدم المعرفة. وإذا كان التغير خفيًا وليس بكل الظاهر فليس يدركه البصر بالبديهة، وليس يدرك التغير إذا لم يكن في غاية الظهور إلا بالتأمل. ومثال ذلك أن البصر إذا كان يعرف إنسانًا ما، وكانت صورة ذلك الإنسان سليمة، وكان البصر يتحقق صورته، ثم غاب ذلك الإنسان عن البصر مدة من الزمان فحدث في وجهه في زمان غيبته نمش أو آثار أو كلف، وكان ذلك النمش أو تلك الآثار خفية ولم تكن في غاية الظهور، ثم أدرك البصر هذا الشخص من تلك الآثار خفية ولم تكن في غاية الظهور، ثم أدرك البصر هذا الشخص من بعد هذه الحال وعرفه في حال إدراكه، فإنه في حال إدراكه لذلك الشخص ومعرفته به ليس يدرك النمش الذي حدث في وجهه أو الآثار التي حدثت فيه إذا لم تكن بكل الظاهرة، وهو يعرف صورة ذلك المبصر سليمة من الآثار. فإذا شاهده وعرفه ولم يستأنف تأمله فهو يعتقد فيه أنه سليم الصورة لما قد عرفه من صورته من قبل. ثم إن لم يستأنف تأمله يكون قد أدرك ذلك المبصر على خلاف ما هو عليه، وإن تأمله فضل تأمل ظهرت له الآثار التي في وجهه وأدرك صورته على ما هي عليه.
وكذلك إن أدرك البصر ثمرة من الثمار وتأملها وتحقق صورتها ثم غاب عنها أيامًا فنمت تلك الثمرة في تلك الأيام وزاد مقدارها وتغير شكلها، أو كان في جزء منها حمرة فزاد الجزء المحمر منها أو اشتدت حمرته، ولم تكن الزيادة والتغيير الذي حدث في الثمرة تغيرًا يسيرًا، ثم عاد البصر إلى تلك الثمرة وشاهدها وعرفها، فإنه في حال إدراكها ومعرفته بها ليس يدرك التغير اليسير الذي حدث فيها. وإن استأنف تأملها في الحال الثانية، وكان ذاكرًا مع ذلك لحقيقة صورتها في الحالة الأولى، فإنه يدرك التغير الذي حدث فيها ويتحقق صورتها في الحال الثانية. وإن لم يستأنف تأملها فليس تكون الصورة التي أدركها من تلك الثمرة بتقدم المعرفة هي صورتها الحقيقية التي هي عليها في حال إدراكه لها في الثاني.
وكذلك إن أدرك البصر جدارًا في بعض المواضع وكان ذلك الجدار أملس وكانت فيه نقوش وتزايين، وتأمل البصر ذلك الجدار وتحقق صورته، ثم غاب عن ذلك الموضع مدة، وحدث في ذلك الجدار تغير من خشونة سطحه أو تشعث بعض النقوش التي فيه، ولم يكن التشعث بكل الظاهر، ثم عاد البصر إلى ذلك الموضع وشاهد ذلك الجدار، وكان ذاكرًا لصورته الأولة ولمشاهدته، فإنه في حال مشاهدته ومعرفته ليس يدرك التشعيث الخفي الذي حدث فيه، وهو يعرف صورته على صفة ليس فيها ذلك التشعيث. فإن كان حدث فيه خشونة فهو يظنه أملس كما عهده، وإن كانت نقوشه في الأول كانت محققة ثم تغيرت فهو يظن بنقوشه في الثاني أنها محققة. فهو في حال إدراكه لذلك الجدار ومعرفته به يدرك صورته بالمعرفة، فإن لم يستأنف تأمله فقد أدرك صورته على خلاف ما هي عليه، وإن استأنف تأمله ظهرت له المعاني التي تغيرت من ذلك الدار وأدرك صورته على ما هي عليه.