قد تبين في المقالة الأولى أن البصر ليس يدرك شيئًا من المبصرات إلا من سموت خطوط الشعاع، وأن المبصرات وأجزاء كل واحد من المبصرات إنما يدرك البصر ترتيبها من ترتيب خطوط الشعاع. وقد تقدم أيضًا أن المبصر الواحد الذي يدرك بالبصرين معًا إنما يدرك واحدًا إذا كان وضعه من البصرين جميعًا وضعًا متشابهًا، وإذا كان وضع المبصر الواحد من البصرين وضعًا مختلفًا فإن الناظر إليه يدركه اثنين، والمبصرات المألوفة التي تدرك دائمًا بالبصرين معًا ليس يدرك الواحد منها إلا واحدًا. وإذا كان ذلك كذلك فيجب أن نقرر كيف يدرك المبصر الواحد بالبصرين معًا واحدًا في أكثر الأوقات وعلى أكثر الأوضاع، وكيف يكون وضع المبصر الواحد من البصرين في أكثر الأوقات وعلى أكثر الأوضاع وضعًا متشابهًا، ونبين أيضًا كيف يكون وضع المبصر الواحد من البصرين وضعًا مختلفًا ومتى يقع ذلك. وقد ذكرنا هذا المعنى في المقالة الأولى وبيناه بقول مجمل ونحن الآن نفصل هذا المعنى ونلخصه، ونبين أيضًا كيف نعتبر هذه المعاني اعتبارًا يقع معه اليقين، فنقول: إن الناظر إذا نظر إلى مبصر من المبصرات فإن كل واحد من البصرين يلحظ ذلك المبصر، وإذا حدق الناظر إلى ذلك المبصر فإن كل واحد من البصرين يحدق إلى ذلك المبصر تحديقًا متشابهًا متساويًا، وإن تأمل الناظر المبصر فإن كل واحد من البصرين يتأمل ذلك المبصر بالسواء، وإذا تحرك البصر على المبصر لتأمله فإن البصرين جميعًا يتحركان عليه ويتأملانه.
وإذا حدق الناظر إلى المبصر فإن سهمي البصرين يجتمعان على ذلك المبصر ويلتقيان على نقطة من سطحه. وإن تأمل الناظر ذلك المبصر فإن السهمين يتحركان معًا على سطح ذلك المبصر ويمران معًا بجميع أجزاء المبصر.
وبالجملة فإن البصرين متساويان في جميع أحوالهما، والقوة الحساسة التي فيهما واحدة، وفعلهما وانفعالهما أبدًا متساو ومتشابه. فإذا تحرك أحد البصرين للإبصار، فإن البصر الآخر يتحرك لذلك الإبصار بعينه مثل تلك الحركة بعينها، وإن سكن أحد البصرين سكن الآخر. وليس يمكن أن يتحرك أحد البصرين الإبصار ويسكن الآخر، ولا يعتمد أحد البصرين النظر إلى مبصر من المبصرات ولا يعتمد البصر الآخر النظر إلى ذلك المبصر، إلا يعوق أحدهما عائق أو يستره ساتر أو يعرض له عارض، فيعتاق بذلك العارض أو الساتر عن فعل ما يفعله البصر الآخر. وإذا تؤملت حال البصرين عند إدراك المبصرات وتفقدت أفعالهما وحركاتهما أبدًا متساوية متشابهة.