فأما كيف يكون غلط البصر في المعرفة من أجل خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال فكالشخص الذي يدركه البصر من بعد متفاوت فيشبهه بشخص يعرفه فيظنه ذلك الشخص بعينه ولا يكون ذلك الشخص، فيكون غالطًا في إدراكه ويكون ذلك الغلط غلطًا في المعرفة. لأنه إذا شبه الشخص بشخص يعرفه وظنه ذلك الذي يعرفه بعينه فإنه يظن أنه قد عرفه، وإذا لم يكن الشخص ذلك الشخص بعينه فإنه يكون غالطًا في معرفته، وتكون علة هذا الغلط هو خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال. لأن ذلك الشخص بعينه إذا كان قريبًا من البصر وعلى بعد معتدل فإن البصر يدركه إدراكًا صحيحًا ولا تشتبه عليه صورته بصورة غيره إذا كانت المعاني الباقية التي فيه التي بها يتم إدراك المبصر على ما هو عليه في عرض الاعتدال.
وهذا النوع من الغلط كثير ويعرض للبصر دائمًا. لأن البصر إذا رأى إنسانًا من بعد فربما شبهه بإنسان يعرفه ولا يكون ذلك الإنسان. وكذلك إذا رأى فرسًا أو بغلًا أو حمارًا أو شجرة أو ثمرة أو نباتًا أو حجرًا أو ثوبًا أو آنية من الأواني التي يستعملها الناس أو آلة من الآلات، وكانت رؤيته لذلك من بعد مفرط، فإنه ربما شبهه بنظير له قد أدركه من قبل ذلك الوقت، وهو ذاكر له وعارف به، ولا يكون ذلك بعينه.
وكذلك قد يعرض للبصر الغلط من البعد المتفاوت في نوعية المبصر. فإن البصر إذا رأى فرسًا من بعد متفاوت فربما ظنه حمارًا، لأنه يراه من البعد المتفاوت أصغر من مقداره الحقيقي، وربما ظنه حمارًا بعينه إذا كان قد ألف في ذلك الموضع حمارًا بعينه، فيكون غالطًا في نوعية ذلك الفرس وفي شخصيته جميعًا. وربما رأى البصر من البعد حمارًا ويظنه رسًا، ويظن أن صغره إنما هو لبعده. وربما رأى بغلًا فظنه فرسًا. وربما رأى ثورًا فظنه حمارًا. وربما رأى عنزًا فظنه كلبًا. وكذلك أيضًا ربما رأى من البعد شجرًا فظنها نباتًا لأنه يراها من البعد صغارًا. وربما رأى نباتًا فظنه شجرًا، ويظن أن صغرها هو لبعدها. وربما رأى ثمرة فشبهها بغيرها من الثمار. وربما رأى نباتًا فشبهه بغيره من النبات. وهذا النوع من الغلط كثير، وجميعه غلط في المعرفة لأن البصر يشبه ما هذه حاله بما قد عرفه ويظنه ذلك الذي يعرفه بعينه أو من نوعه، ولا يكون كذلك. وعلة جميع هذا النوع من الغلط هو البعد المتفاوت الخارج عن عرض الاعتدال، لأن البصر إذا أدرك جميع المبصرات من البعد المعتدل فليس تشتبه عليه صورها إذا كانت جميع المعاني الباقية التي فيها التي بها يتم إدراك المبصر على ما هو عليه في عرض الاعتدال. وهذه الأغلاط هي الأغلاط المتعارفة التي يغلط البصر فيها دائمًا.
وقد يعرض الغلط في المعرفة في معان غريبة أيضًا من أجل خروج البعد عن عرض الاعتدال. فمن ذلك أن البصر إذا رأى في سواد الليل نارًا من بعد نتفاوت، وكانت النار على رأس جبل أو في موضع مرتفع عن الأرض، ولم يكن قد تقدم علم الناظر بأن في ذلك الموضع نارًا، وكانت الجذوة من النار تظهر من ذلك البعد صغيرة الحجم، فإن الناظر إذا رأى النار التي بهذه الصفة بسواد الليل ربما ظنه كوكبًا في السماء، وهي نار في الأرض، فيكون غالطًا في مائيتها. والغلط في مائية المبصر هو غلط في المعرفة، لأن مائيات المبصرات إنما تدرك بالمعرفة. وعلة هذا الغلط إنما هو خروج بعد موضع النار عن عرض الاعتدال، لأن تلك النار بعينها إذا كانت قريبة من البصر أو كان البصر قريبًا منها لم يشتبه عليه أنها نار، ولم يظنها قط كوكبًا في السماء. فعلى هذه الصفات وأمثالها يكون غلط البصر بالمعرفة من أجل خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال.