الصفحة 111 من 245

فأما إدراك العظم، وهو مقدار المبصر، فإن كيفية إدراكه من المعاني الملتبسة. وقد اختلف أصحاب التعاليم في كيفية إدراك العظم: فرأى جمهور أصحاب التعاليم آن مقدار عظم المبصر إنما يدركه البصر من مقدار الزاوية التي تحدث عند مركز البصر التي يحيط بها سطح مخروط الشعاع المحيط قاعدته بالمبصر، وأن البصر يقيس مقادير المبصرات بمقادير الزوايا التي تحدثها الشعاعات التي تحيط بالمبصرات عند مركز البصر، ولا يعولون في إدراك العظم إلا على الزوايا فقط ولا يعتدون بشيء غيرها في إدراك العظم. وبعضهم يرى أن إدراك العظم ليس يتم من القياس بالزوايا فقط، بل ليس يتم إدراك العظم إلا باعتبار البصر لبعد المبصر واعتباره لوضعه مع القياس بالزوايا.

والصحيح أنه ليس يصح أن يكون إدراك البصر لمقادير المبصرات من القياس بالزوايا التي توترها المبصرات عند مركز البصر فقط. وذلك أن المبصر الواحد ليس يختلف مقداره عند البصر إذا اختلفت أبعاده اختلافًا ليس بالمتفاوت. فإن المبصر إذا كان قريبًا من البصر وأدرك البصر مقداره ثم تباعد عن البصر مقدارًا ليس بالمتفاوت فليس يصغر مقداره عند البصر وليس يدرك البصر مقداره إلا على مثل ما كان يدركه من البعد الأول إذا كان البعد الثاني من الأبعاد المعتدلة. وجميع المبصرات المألوفة ليس يختلف مقدار الواحد منها عند البصر إذا اختلفت أبعاده وكانت أبعاده مع اختلافها من الأبعاد المعتدلة.

وكذلك الأشخاص المتساوية المختلفة الأبعاد إذا كان بعد أبعادها من الأبعاد المعتدلة فليس يدركها البصر إلا متساوية. والزوايا التي يوترها المبصر الواحد من الأبعاد المختلفة المعتدلة تكون مختلفة اختلافًا له قدر. فإن المبصر إذا كان بعده من البصر بعد ذراع ثم تباعد عن البصر حتى يصير بعده بقدر ذراعين فإن الزاويتين اللتين تحدثان عند البصر من ذلك المبصر يكون بينهما تفاضل له قدر. وليس يدرك البصر المبصر من ذراعين أصغر مما يدركه من بعد ذراع واحد. وكذلك إن تباعد المبصر عن البصر ثلث أذرع وأربع أذرع فليس يرى أصغر مما كان يرى من البعد الأول. وإذا تباعد المبصر عن البصر أضعاف بعده الأول اختلفت الزوايا التي يحدثها عند البصر اختلافًا متفاوتًا. وكذلك المبصرات المتساوية التي أبعادها على هذه الصفة تكون الزوايا التي توترها عند مركز البصر مختلفة اختلافًا متفاوتًا، ومع ذلك فليس ترى مقاديرها مختلفة ولا ترى إلا متساوية.

وأيضًا فإنه إن رسم في سطح جسم من الجسام شكل مربع متساوي الأضلاع قائم الزوايا ورفع ذلك الجسم حتى يصير سطحه الذي فيه المربع قريبًا من موازاة البصر وبحيث يدرك البصر مع ذلك الشكل المربع الذي في سطحه، فإن البصر يدرك الشكل المربع متساوي الأضلاع، ومع ذلك فإن الزوايا التي توترها أضلاع المربع عند مركز البصر إذا كان مركز البصر قريبًا من السطح الذي فيه المربع تكون مختلفة اختلافًا متفاوتًا، ومع هذه الحال فليس يدرك البصر أضلاع المربع مختلفة.

وكذلك الدائرة إذا أخرج فيها أقطار مختلفة الوضع، ثم رفع السطح الذي فيه الدائرة حتى يصير قريبًا من موازاة البصر، فإن الزوايا التي توترها أقطار الدائرة عند مركز البصر إذا كانت الأقطار مختلفة الوضع تكون مختلفة اختلافًا كثيرًا بحسب اختلاف وضع الأقطار. ومع ذلك فليس يدرك البصر أقطار الدائرة وإن كانت مختلفة الأوضاع إلا متساوية إذا كان بعدها من البصر من الأبعاد المعتدلة.

فلو كان إدراك البصر لمقادير المبصرات إنما هو من قياسها بالزوايا فقط التي تحدثها المبصرات عند مركز البصر لما كان يدرك أضلاع المربع المتساوي الأضلاع متساوية، ولا أقطار الدائرة متساوية، ولما كان يدرك الدائرة مستديرة، ولما كان يدرك المبصر الواحد من الأبعاد المختلفة قط على مقدار واحد إن كانت أبعاده المختلفة من الأبعاد المعتدلة، ولما كان يدرك المبصرات المتساوية المختلفة الأبعاد التي أبعادها معتدلة قط متساوية. فمن الاعتبار بهذه المعاني يتبين بيانًا واضحًا أن إدراك مقادير المبصرات ليس هو من القياس بالزوايا فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت