الصفحة 112 من 245

وإذ قد تبين ذلك فإننا نحرر الآن كيفية إدراك العظم فنقول: إنه قد تبين أن المعول في إدراك أكثر المعاني المحسوسة إنما هو على القياس والتمييز، وأنه لولا القياس والتمييز لم يرك أكثر المعاني المحسوسة عند الحس. والعظم هو أحد المعاني التي تدرك بالقياس والتمييز. والأصل الذي تعتمد عليه القوة المميزة في تمييز مقدار عظم المبصر إنما هو مقادير الجزء من البصر الذي تحصل فيه صورة المبصر. والجزء الذي تحصل فيه صورة المبصر ينحصر ويتقدر بالزاوية التي عند مركز البصر التي يحيط بها مخروط الشعاع الذي يحيط بالمبصر ويحيط بالجزء من المبصر الذي تحصل فيه صورة المبصر. فالجزء من البصر الذي تحصل فيه صورة المبصر والزاوية التي يحيط بها مخروط الشعاع المحيط بذلك الجزء هما الأصل الذي لا يستغني التمييز والحس في إدراك عظم المبصر عن الاعتبار بهما وبمقدار كل واحد منهما.

إلا أنه ليس يقتنع التمييز في إدراك العظم باعتبار الزاوية فقط أو اعتبار الجزء من البصر الذي يوتر الزاوية . وذلك أن المبصر الواحد إذا أدركه البصر وهو قريب منه فإن الحاس يدرك الموضع من البصر الذي حصلت فيه صورة ذلك المبصر ويدرك مقدار ذلك الموضع. ثم إذا تباعد ذلك المبصر في الحال عن إدراكه ابصر أيضًا وأدرك الحاس الموضع من البصر الذي تحصل فيه صورته في الحال الثانية وأدرك مقدار الموضع. فإذا تباعد المبصر عن البصر فإن الموضع الذي تحصل فيه صورته من المبصر يكون أصغر من الموضع الأول، لأن موضع الصورة من البصر يكون بحسب مقدار الزاوية التي يوترها ذلك المبصر عند مركز البصر، لأن مخروط الشعاع يحيط بالجميع وكلما تباعد المبصر ضاق المخروط المحيط به وضاقت زاوية المخروط وصغر الموضع من البصر الذي تحصل فيه الصورة. فإذا كان الحاس يدرك الموضع الذي تحصل فيه صورة المبصر ويدرك مقدار الموضع فهو يدرك تصاغر الموضع عند تباعد المبصر عن البصر.

وهذا المعنى كثيرًا ما يتكرر على البصر دائمًا، أعني تباعد المبصر وقربه. فإن المبصرات تبعد دائماَ عن البصر ويبعد البصر عنها دائما ًوتقرب من البصر ويقرب منها البصر دائمًا، والبصر يدركها مع تباعدها ويدرك تصاغر مواضع صورها عند البصر من تباعدها ويدرك تعاظم مواضع صورها من البصر عند تقاربها. فمن تكرر هذا المعنى على البصر قد تقرر في النفس وعند القوة المميزة أن المبصر كلما تباعد عن البصر صغر موضع صورته من البصر وصغرت الزاوية التي يوترها المبصر عند مركز البصر. وإذا تقرر في التمييز أن المبصر كلما تباعد عن البصر صغر موضع صورته من البصر وصغرت الزاوية التي يوترها المبصر عند مركز البصر، فقد استقر في التمييز أن الموضع الذي تحصل فيه صورة المبصر والزاوية التي يوترها المبصر عند مركز البصر إنما يكونان بحسب بعد المبصر عن البصر. وإذا كان قد استقر في النفس أن الزاوية والموضع من البصر الذي تحصل فيه صورة المبصر إنما يكونان بحسب بعد المبصر ، فالقوة المميزة عند تمييزها لمقدار المبصر ليس تعتبر بالزاوية فقط وإنما تعتبر بالزاوية والبعد معًا، لأنه قد استقر عندها أن الزاوية إنما تكون بحسب البعد. فمقدار المبصرات إنما يدرك بالتمييز والقياس. والقياس الذي يدرك به مقدار المبصر هو قياس قاعدة مخروط الشعاع التي هي سطح المبصر بزاوية المخروط وبمقدار طول المخروط الذي هو بعد المبصر عن البصر، واعتبار القوة المميزة إنما هو بالجزء من سطح العضو الحاس الذي تحصل فيه صورة المبصر مع الاعتبار ببعد المبصر عن سطح البصر. إلا أن مقدار الجزء الذي تحصل فيه الصورة إنما يكون أبدًا بحسب الزاوية التي يوترها ذلك الجزء عند مركز البصر، وبعد المبصر عن سطح البصر ليس بينه وبين بعده عن مركز البصر في أكثر الأحوال تفاوت يؤثر في البعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت