وإذا أدرك البصر الجسم الذي قد أشرق عليه ضوء الشمس مستظلًا فهو غالط في ما يدركه من استظلاله. والغلط في الظل هو غلط في القياس لأن الظل يدرك في القياس. وعلة هذا الغلط هو فرط شفيف الجسم المشف الذي يدركه البصر على الصفة التي وصفناها، لأن الجسم الذي وصفناه، إذا كان كثيفً أو كان فيه كثافة قوية، فإن الضوء إذا أشرق عليه ثبت في سطحه، وأدرك البصر الضوء الذي في سطحه ولم يدركه مستظلًا إذا كانت المعاني الباقية التي فيه في عرض الاعتدال.
الظلمة وقد يعرض الغلط في الظلمة أيضًا من أجل فرط الشفيف. وذلك أن البخار والمياه الواقفة، إذا كانت صافية مشفة شديدة الشفيف وكانت مع ذلك عميقة كثيرة السمك، فإن البصر يدركها مظلمة مع إشراق الضوء عليها ونفوذ الضوء في شفيفها، وإن لم تكن تربتها سوداء، وخاصة إذا أدركها البصر في أول النهار وآخره قبل طلوع الشمس وبعد غروبها، أو إذا كانت محتجبة بالسحاب، ولم يكون صريح ضوء الشمس من فاعل الماء. فإن البصر إذا أدرك البحر والمياه الواقفة الصافية الشفيف الكثيرة العمق في هذه الأوقات فإنه يدركها مظلمة وليس هناك ظلمة.
وإذا أدرك البصر الظلمة في موضع من المواضع ولم يكن هناك ظلمة على ما يدركها البصر فهو غالط فيما يدركه من الظلمة. والغلط في الظلمة هو غلط في القياس لأن الظلمة تدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو شدة شفيف الماء الذي بهذه الصفة، لأن البصر إذا أدرك الماء الكدر أو الذي فيه كدورة يسيرة الذي ليس شفيفه في الغاية فليس يدركه مظلمًا وإن كان عميقًا كثير السمك.
فأما لم يدرك البصر ماء البحر مظلمًا إذا كان شديد الشفيف فإن ذلك لأن الماء ليس يبلغ شفيفه شفيف الهواء وإن كان شديد الشفيف. فإذا أشرق عليه الضوء كان له ظل على أرضه، وكان لبعضه ظل على بعض، وكان قبوله لصورة الضوء ليس كقبول الهواء لصورة الضوء الذي فيه، فيكون الضوء الذي في الجسم المشف الذي هو جسم الماء دون الضوء الذي في الهواء، ولا ينفذ الضوء فيه كنفوذه في الهواء. فإذا لم ينفذ الضوء فيه كنفوذه في الهواء، والبصر مع ذلك يدرك الماء للغلط الذي فيه ويدرك ما في داخل الماء إذا كان مشفًا صافي الشفيف، فالبصر يدرك الظل الذي في داخل الماء الذي هو ظل بعضه على بعض. وإذا كان الماء مشفًا صافي الشفيف، وكان مع ذلك عميقًا، فإن البصر يدرك منه مسافة لها قدر. وإذا أدرك البصر من الماء مسافة لها قدر، وهو يدرك كل جزء من الماء الذي في تلك المسافة مستظلًا، فهو يدرك في الماء ظلًا ذا سمك مقتدر، فهو يدرك ظلًا متضاعفًا . وإذا تضاعف الظل صار ظلمة قوية. لأن الظل الذي يدركه البصر هو بمنزلة اللون الرقيق إذا تضاعف صار لونًا قويًا.
ولهذا المعنى نظير في الجسم المشف المتلون، وهو الشراب المشف الرقيق اللون. فإن الشراب الريق اللون إذا سكب في الإناء ظهر في حال انسكابه أبيض أو ذا لون خفي، وظهر شفيف ما ينسكب منه ظهورًا بينًا، وإذا اجتمع ذلك الشراب في إناء كبير مشف فإن يظهر لونه قويًا صبغًا. وإن لم يكن وراءه ضوء قوي ظهر كثيفًا. واللون القوي الذي يظهر للشراب الرقيق اللون إذا اجتمع في الإناء إنما يظهر لونًا قويًا لتضاعف لونه بتضاعف أجزاءه. وكذلك الظل الذي يدركه البصر في داخل الماء هو ظل رقيق. وإذا كان الماء عميقًا كثير السمك تضاعف ذلك الظل الرقيق لتضاعف أجزاء الماء. وإذا تضاعف الظل صار ظلمة قوية. فلذلك يدرك البصر ماء البحر العميق مظلمًا.
والماء الكدر الذي شفيفه يسير ليس يدركه البصر مظلمًا لأن الماء الكدر ذو لون ظاهر وكثافة قوية، فليس يدرك البصر من جميعه إلا مسافة يسيرة لقوة لونه وضعف شفيفه، فليس يدرك الظل في داخله لقلة سمك ما يدركه البصر من الظل ولاستظهار لون الماء الذي في تلك المسافة على صورة الظل الذي فيها.
الحسن والقبح