فإذا أدرك البصر المبصر في الضباب أو في القتام فليس يتيقن مقدار بعده وإن كان بعده مسامتًا لأجسام مرتبة متصلة. وذلك لأنه ربما لم يدرك البصر وجه الأرض في الضباب أو القتام، وإن أدرك وجه الأرض فليس يدركه إدراكًا صحيحًا ولا يتحقق صورة ما بعد عن قدميه في الأرض، ولا يتحقق وضع المبصر أيضًا إذا كان مائلًا على خطوط الشعاع، ولا يفرق بين سطح المبصر المائل وبين سطح المبصر المواجه إذا أدركه في الضباب أو القتام، وخاصة إذا كان المبصر في الضباب أو القتام وكان البصر في هواء لطيف. وإذا أدرك البصر المبصر ولم يتحقق مقدار بعده فربما ظنه بعيدًا ويكون ذلك المبصر قريبًا، وذلك في المبصرات المألوفة، لأنه يدرك صورة المبصر في الضباب وفي القتام مشتبهة غير بينة. وربما ظن بالمبصر أنه قريب، ويكون المبصر بعيدًا، كالجبال والروابي. فإن البصر إذا أدرك الجبال من وراء الضباب والهواء ا لغليظ فإنه يظنها قريبة وهي مع ذلك بعيدة. وذلك لعظم صورتها، لأن البصر إذا أدرك عظمها فليس يدرك سطح الأرض القريب منه الذي بينه وبينها إدراكًا صحيحًا، لأن عظمها إنما هو لقربها. وإذا ظن البصر بالمبصر القريب أنه بعيد وبالبعيد أنه قريب فهو غالط في بعده.
الوضع وكذلك إذا أدرك البصر المبصر في الضباب وفي القتام، وكان مائلًا على خطوط الشعاع، فإنه يظنه مواجهًا، لأنه إذا أدركه في الضباب وفي القتام فليس يدرك صورته إدراكًا محققًا، وليس يدرك اختلاف أبعاد أطرافه لأنه ليس يتحقق مقدار بعده. وإذا لم يدرك اختلاف أبعاد أطرافه فليس يدرك ميل سطحه، وإذا لم يدرك ميل سطحه فإنه يدركه كأنه مواجه. وإذا أدرك البصر المبصر المائل كأنه مواجه فهو غالط في وضعه.
الشكل وكذلك إذا كان في سطح المبصر تحديب يسير أو تقعير يسير أو أجزاء مختلفة الوضع فإن البصر لا يدرك التحديب اليسير الذي يكون في سطح المبصر ولا التقعير اليسير إذا أدركه في الضباب وفي القتام، ولا يتحقق صورته، ولا يفرق بين السطح المحدب إذا كان تحديبه يسيرًا وبين السطح المسطح. وكذلك لا يفرق بين التقعير اليسير والتسطيح. وإذا ظن البصر بالسطح المحدب أو المقعر أنه مسطح فهو غالط. وكذلك إذا كان المبصر ذا زوايا صغار وزوائد صغار فليس يدركها البصر في الضباب الغليظ والقتام ولا يتحقق شكل المبصر الذي بهذه الصفة.
العظم وإذا أراد البصر المبصر في الضباب والقتام، وكان البصر في هواء لطيف، فإنه يدرك مقداره أعظم من مقداره الحقيقي كما يدرك المبصرات التي تكون في الماء. وإذا أدرك البصر مقدار المبصر أعظم من مقداره الحقيقي فهو غالط في عظمه.
التفرق وإذا أدرك البصر المبصر في الضباب أو في القتام، وكان ذلك المبصر من الأجسام الخشنة، وكان في ذلك المبصر خطوط سود أو مظلمة اللون، فإن البصر ربما ظن بتلك الخطوط أنها شقوق وفصول إذا لم يكن قد تقدم علم الناظر بتلك الأجسام. وكذلك إذا أدرك البصر الحيطان في الضباب، وكان في تلك الحيطان خطوط سود أو مظلمة اللون، فإنه ربما ظنها شقوقًا. وكذلك إذا أدرك البصر أجسامًا منطبقًا بعضها على بعض، وكانت مواضع فصولها في غاية الدقة، فليس يدرك البصر فصولها التي بهذه الصفة إذا كانت المبصرات في الضباب أو القتام.
وإذا ظن البصر الخطوط أنها شقوق فهو غالط فيما يدركه من تفرقها. وإذا لم يحس بمواضع الفصول من الأجسام المتطابقة فهو يدرك تلك المبصرات كأنها جسم واحد متصل. وإذا أدرك البصر المبصرات المتطابقة جسمًا واحدًا متصلًا فهو غالط في الاتصال، وغالط في العدد أيضًا.
جميع المعاني السابقة وقد يعرض للبصر الغلط في جميع هذه المعاني إذا حدث في الهواء دخان قوي وكان البصر خارجًا من الدخان: فإن المبصرات التي يدركها البصر من وراء الدخان ليس يتحقق مقدار بعده، ولا يتحقق وضعها، ولا المعاني التي تكون فيها، ويدرك أعظامها أعظم من مقدارها الحقيقي إذا كان البصر خارجًا من الدخان ومائلًا عنه لأن الدخان أغلظ من الهواء وأقل شفيفًا.