والغلط في جميع هذه المعاني هو غلط في القياس، لأن جميع هذه المعاني تدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج شفيف الهواء المتوسط بين البصر والمبصر عن عرض الاعتدال، لأن المبصرات التي يدركها البصر في الهواء الغليظ الذي يعرض له الغلظ فيها إذا أدركها البصر في الهواء اللطيف فإنه يدرك كل واحد من المعاني التي فيها على ما هو عليه، ولا يعرض له الغلط في شيء منها، إذا كانت المعاني الباقية التي فيها في عرض الاعتدال.
الحركة وقد يعرض الغلط في الحركة أيضًا من أجل خروج شفيف الهواء عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر إذا أدرك مبصرين متحركين على الاستقامة وعلى سمت المقابلة، وكان المتحركان متحاذيين في جهة التباعد كفارسين يتحاربان، وكانت حركتاهما مختلفة، وكان الاختلاف الذي بينهما يسيرًا، فإن البصر إذا أدرك المبصرين اللذين بهذه الصفة في الضباب أو في القتام فإن البصر لا يحس باختلاف حركتي المتحركين اللذين على هذه الصفة، ويظن بحركتيهما أنهما متساويتان، ما لم يكن الاختلاف الذي بينهما متفاوتًا. وذلك لأن البصر إذا أدرك المبصرين اللذين بهذه الصفة في الضباب أو في القتام فإنه ليس يدرك وجه الأرض في تلك الحال إدراكًا محققًا لغلظ القتام أو الضباب. وإذا لم يدرك البصر وجه الأرض فليس يدرك مقدار بعدي المتحركين. وإذا لم يدرك مقدار بعدي المتحركين فليس يدرك اختلاف مقداري المسافتين اللتين يقطعهما انك المتحركان إذا كان الاختلاف الذي بينهما يسيرًا. وليس يدرك البصر من المتحركين اللذين بهذه الصفة إلا تباعدهما فقط بالتباس صورتيهما عند التباعد وباختلاف ما يسامتانه من الأرض من قياس البصر لهما بالأجزاء المتفاوتة العظم من أجزاء الأرض، لا بالأجزاء الصغار من الأرض ، لأن الأجزاء الصغار من الأرض ليس تتم في الهواء المسرف الغلظ. فإن كان الاختلاف الذي بين الحركتين متفاوتًا، وأطال البصر النظر إلى المتحركين، أحس باختلاف الحركتين. وإن لم يكن الاختلاف الذي بينهما متفاوتًا حكم لهما بتساوي الحركة مع اختلاف حركتيهما إذا كان الاختلاف الذي بينهما يسيرًا.
وإذا ظن البصر بالمتحركين المختلفين في حركتيهما أنهما متساويا الحركة فهو غالط فيما يظنه من كيفية حركتيهما وفي سرعة أسرعهما وبطء أبطأهما ويكون غلطه غلطًا في القياس، لأن الحركات واختلاف الحركات ليس يدرك إلا بالقياس. ويكون علة غلطه هو خروج شفيف الهواء عن عرض الاعتدال، لأن البصر إذا أدرك المبصرين الذين على هذه الصفة في الهواء النقي الصافي فإنه يدرك مقداري المسافتين اللتين يقطعهما المتحركان، ويدرك اختلاف حركتيهما، ويفرق بين أسرعهما وأبطأهما، إذا كانت المعاني الباقية التي في ذينك المبصرين في عرض الاعتدال.
السكون وقد يعرض الغلط في السكون أيضًا من اجل خروج شفيف الهواء عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر إذا نظر إلى ماءٍ جارٍ، وكان الهواء نقيًا صافيًا، وأدرك جرية الماء وأدرك حركته، ثم غشي ذلك الموضع ضباب قوي وشمل ذلك الضباب سطح الماء، فإن البصر إذا نظر إلى ذلك الماء في حال اشتمال الضباب عليه وأدركه فإنه لا يدرك جريته إذا لم يكن الماء شديد الجرية، وإنما يدركه كما يدرك الماء الواقف الساكن. وذلك لن جرية الماء يدركها البصر من إدراكه لتكاسير سطح الماء في حال جريته، وتكاسير سطح الماء من المعاني اللطيفة التي يدركها البصر، لأن تكاسير سطح الماء إنما يدركها البصر من إدراكه لاختلاف أوضاع أجزاء سطح الماء، وسطح الماء متشابه اللون، واختلاف أوضاع أجزائه ليس تكون في غاية البيان. والمبصرات التي يدركها البصر في الضباب ليس يدرك صورتها إدراكًا محققًا ولا يدرك المعاني اللطيفة التي تكون فيها. فالبصر إذا نظر إلى الماء الجاري، وكان الضباب مشتملًا على سطح ذلك الماء، فإنه يدرك ذلك الماء كأنه ساكن ولا يحس بجريته.
وإذا أدرك البصر الماء الجاري ساكنًا فهو غالط في سكونه. ويكون غلطه غلطًا في القياس، لأن السكون يدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو غلط الهواء، لأن البصر إذا نظر إلى ذلك الماء وكان الهواء نقيًا صافيًا فإنه يدرك جرية ذلك الماء على ما هي عليه، إذا كانت المعاني الباقية التي في ذلك الماء، التي بها يتم إدراك المبصرات على ما هي عليه، في عرض الاعتدال.