الصفحة 69 من 245

فأما لم ليس يدرك البصر المبصر الذي هو معه في هواء واحد وفي الجهة المقابلة له إلا إذا كان بين كل نقطة منه وبين نقطة ما من سطح الجزء الذي منه يكون الإبصار إنما يكون من الصورة التي ترد من المبصر إلى البصر وان ليس تصدر عن المبصرات إلا على خطوط مستقيمة. فلهذه العلة ليس يدرك البصر المبصر إلا إذا كانت بينهما خطوط مستقيمة، ومتى قطع جميع الخطوط المستقيمة التي بينهما جسم كثيف خفي المبصر عن البصر، ومتى قطع الجسم الكثيف بعض الخطوط المستقيمة التي بين المبصر وبين سطح البصر خفي من المبصر الجزء الذي عند أطراف الخطوط التي انقطعت بالجسم الكثيف.فأما لم ليس يدرك البصر المبصر إلا إذا كان فيه ضوء ما فإن ذلك لأحد أمرين: غما أن تكون صور الألوان التي في المبصرات ليس تمتد في الهواء إلا إذا صار مع اللون ضوء ما وإذا لم يكن في المبصر ضوء لم تمتد صورة لونه في الهواء المتصل ليس فيه ضوء لأن لونه ليس تصل إلى البصر، وإما أن تكون صورة اللون تمتد في الهواء وإن لم يحضر الضوء، إلا أنها لا تؤثر في البصر تأثيرًا محسوسًا، وإذا كانت مع الضوء أثرًا في البصر بمجموعها. وهو ظاهر أن صورة الضوء أقوى من صورة اللون وأن الضوء يقرع البصر ويؤثر فيه تأثيرًا بينًا. وصورة اللون ضعيفة، فليس في قوتها أن تؤثر في البصر كتأثير الضوء. وصورة اللون الذي في الجسم المضيء تكون أبدًا ممتزجة بصورة الضوء، فإذا وصلت صورة الضوء من المبصر إلى البصر فهي تؤثر فيه لقوتها ولتهيؤ البصر للانفعال بها، فالبصر يحس بها من تأثيرها ولأنها ممتزجة بصورة اللون وغير متميزة منها، فليس يحس البصر بصورة الضوء إلا ممتزجة، فهو يحس باللون من لون هذه الصورة، فيكون البصر إنما يحس بلون المبصر من اللون الممازج لصورة الضوء التي ترد إليه من المبصر. ولذلك يدرك البصر لون المبصر بحسب الضوء الذي يكون في المبصر، ولذلك تتغير ألوان كثير من المبصرات عند البصر بتغير الأضواء التي تشرق عليها. فلأن صورة اللون ليس تؤثر في البصر إلا إذا كانت ممتزجة بالضوء، وليس يكون من اللون صورة إلا إذا كان فيه ضوء، صار البصر لا يدرك شيئًا من المبصرات إلا إذا كان فيه ضوء ما.

فأما لم ليس يدرك البصر المبصر إلا إذا كان حجمه مقتدرًا فلأنه قد تبين أن صورة المبصر إنما تصل إلى البصر من المخروط الذي رأسه مركز البصر وقاعدته سطح المبصر، وأن هذا المخروط يفصل من سطح العضو الحاس جزءًا صغيرًا فيه تترتب صورة المبصر ومنه يحس الحاس بالمبصر. فإذا كان المبصر في غاية الصغر كان المخروط الذي بينه وبين مركز البصر في غاية الدقة، فيكون الجزء الذي يفصله من سطح الحاس في غاية الصغر، فيكون بمنزلة النقطة التي لا قدر لها. والحاس إنما يحس بالصورة في سطحه إذا كان الجزء من سطحه الذي تحصل فيه الصورة له قدر محسوس عند جملته. وقوى الحواس متناهية، فإذا كان الجزء من العضو الحاس الذي تحصل فيه الصورة ليس له قدر محسوس عند جملة العضو الحاس لم يحس الحاس بالأثر الذي يحصل في ذلك الجزء لصغره. وإذا لم يحس بالأثر لم يدرك الصورة. فالمبصر الذي يصح أن يدركه البصر هو الذي يكون المخروط الذي يتشكل بينه وبين مركز البصر يفصل من سطح الجليدية جزءًا له قدر محسوس بالإضافة إلى جملة سطح الجليدية وهذا الإحساس يكون إلى الحد الذي تنتهي إليه قوة الحس، لا إلى ما لا نهاية. ويختلف أيضًا هذا الإحساس في الإبصار بحسب اختلاف قوى الإبصار، لأن بعض الإبصار يكون أقوى من بعض. وإذا كان المخروط الذي يتشكل بين المبصر وبين مركز البصر يفصل من سطح الجليدية جزءًا ليس له قدر محسوس بالإضافة إلى جملة سطح الجليدية فليس يصح أن يدرك البصر ذلك المبصر. فلذلك ليس يدرك البصر المبصر الذي هو في غاية الصغر ولا يدرك إلا ما كان حجمه مقتدرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت