وكذلك أيضًا إن رفع المعتبر اللوح، ووضع القرطاس الذي فيه الكتابة على بعد أكثر من طول اللوح وبحيث يتمكن من قراءة ما فيه، وجعله مواجهًا للبصر، وتأمله وقرأ ما فيه من الكتابة، ثم ميله وهو في موضعه ميل ًايسيرًا، فإنه يجده أضعف بيانًا. ثم إذا زاد في ميله قليلًا قليلًا فإنه يجده كلما ازداد ميلًا ازداد بيانه ضعفًا. ثم إذا ميله ميلًا شديدًا حتى يصير وضعه قريبًا من وضع الشعاع الذي يمتد إلى وسطه، فإنه يجد الكتابة التي في القرطاس مشتبهة اشتباهًا شديدًا حتى لا يتمكن من قراءتها ولا يفهمها. ويجد الأمر كذلك إن كان الاعتبار بالبصرين معًا وإن كان الاعتبار ببصر واحد.
وكذلك أيضًا إذا أثبت إحدى الجزازات الصغار في موضع مقابل للبصر أبعد من طول اللوح وجعلها مواجهة للبصر وحدق إليها بالبصرين جميعًا، وجعل الجزازة الأخرى مائلة عن تلك الجزازة إلى جهة اليمين أو جهة الشمال ونصبها على سمت المواجهة، فإنه يجدها أضعف بيانًا.
ثم إن تقدم إلى محرك يحرك الجزازة الثانية ويبعدها قليلًا قليلًا عن الجزازة التي يحدق إليها، فإنه يجد الكلمة التي في الجزازة المتطرفة كلما تباعدت عن الجزازة الثانية ازدادت صورة الكلمة التي فيها اشتباهًا إلى أن تخفى صورة الكلمة فلا يفهمها. وكذلك إذا اعتبر هاتين الجزازتين ببصر واحد فإنه يجد الحال كذلك.
فيتبين من جميع هذه الاعتبارات أن أبين المبصرات من جميع الأبعاد هو الذي يكون على سهم الشعاع، وأن ما قرب من السهم يكون أبين مما بعد، وان المبصر البعيد عن السهم بعدًا متفاوتًا يكون مشتبه الصورة ولا يتحقق البصر صورته كان الإبصار ببصر واحد أو كان بالبصرين جميعًا، وأن المبصر أيضًا المواجه للبصر يكون من جميع الأبعاد أبين من المبصر المائل، وانه كلما قرب وضع المبصر من المواجهة كان أبين مما بعد عنها، وأن المبصر المائل على خطوط الشعاع ميلًا متفاوتًا تكون صورته مشتبهة اشتباهًا شديدًا ولا يتحققها البصر، كان الإبصار ببصر واحد أو كان بالبصرين جميعًا، كان المبصر على السهم أو كان خارجًا عن السهم.
فأما لم صار المائل المسرف الميل مشتبه الصورة مع اعتدال بعده ومع إدراك عظمه على ما هو عليه، ولم صار المواجه أبين من المائل، فإن ذلك لأن المائل المسرف الميل تحصل صورته في سطح البصر مجتمعة من أجل ميله. لأنه إذا كان المبصر مسرف الميل كانت الزاوية التي يوترها عند مركز البصر صغيرة، وكان الجزء من البصر الذي تحصل فيه صورة ذلك المبصر أصغر بكثير من الجزء من البصر الذي تحصل فيه صورته إذا كان مواجهًا للبصر، وتكون أجزاؤه الصغار توتر عند البصر زوايا غير محسوسة من أجل فرط ميلها، لأن الجزء الصغير إذا كان في غاية الميل انطبق الخطان اللذان يخرجان من مركز البصر إلى طرفيه وصارا بمنزلة الخط الواحد ولم يدرك الحاس الزاوية التي فيما بينهما ولا الجزء الذي يفصلانه من سطح البصر.
فالمبصر المسرف الميل تكون صورته التي تحصل في البصر مجتمعة اجتماعًا متفاوتًا، وتكون أجزاءه الصغار غير محسوسة، فلذلك تكون صورته مشتبهة. فإذا كان في المبصر الذي بهذه الصفة معان لطيفة لم يدركها البصر لخفاء أجزائها الصغار ولاجتماع الصورة. والمبصر المواجه بخلاف هذه الحال، لأن المبصر المواجه تكون صورته التي تحصل في البصر مرتبة على ما هي عليه في سطح المبصر، وتكون أجزاؤه الصغار التي يمكن أن يدركها البصر بينة. وإذا كانت الأجزاء الصغار من المبصر بينة وحصلت أجزاؤه مرتبة في سطح البصر كترتيبها الذي هي عليه في سطح المبصر، كانت صورته بينة غير مشتبهة.
وبالجملة فإن المعاني اللطيفة والأجزاء اللطيفة وترتيب أجزاء المبصر ليس يدركها البصر إدراكًا محققًا إلا إذا انتقشت الصورة في سطح العضو الحاس وحصل كل جزء منها في جزء محسوس من سطح العضو الحاس. وإذا كان البصر مائلًا ميلًا متفاوتًا فليس تنتقش صورته في البصر وليس تحصل صورة كل جزء من أجزائه الصغار في جزء محسوس من البصر. وليس تنتقش صورة المبصر في سطح العضو الحاس وتحصل صورة كل جزء من أجزائه في جزء محسوس من البصر إلا إذا كان المبصر مواجهًا أو كان ميله يسيرًا، وكان بعده مع ذلك من الأبعاد المعتدلة بالقياس إلى المعاني التي في ذلك المبصر.