الصفحة 98 من 245

وقد يوجد هذا المعنى في كثير من المبصرات التي على وجه الأرض أيضًا، اعني أن الأبعاد التي ليس تسامت أجسامًا مرتبة متصلة ليس يدرك البصر مقاديرها. فمما يظهر به ظهورًا بينًا أن ليس يدرك تلك الأجسام ويتحقق مقاديرها، هو أن يعتمد المعتبر بيتًا أو موضعًا لم يدخله من قبل وقت الاعتبار، ويكون في بعض حيطان ذلك البيت أو الموضع ثقب ضيق، ويكون من وراء ذلك الثقب فضاء لم يشاهده المعتبر قبل ذلك الوقت، ويكون في ذلك الفضاء جداران قائمان، ويكون أحد الجدارين أقرب إلى الثقب من الجدار الآخر، ويكون بين الجدارين بعد له قدر، ويكون الجدار الأقرب يستر بعض الجدار الأبعد، ويكون البعض من الجدار البعد ظاهرًا، ويكون الثقب مرتفعًا عن الأرض وبحيث إذا نظر الناظر لم ير وجه الأرض التي من وراء الحائط الذي فيه الثقب، فإن المعتبر إذا حصل في هذا الموضع ونظر في الثقب فإنه يرى الجدارين معًا ولا يدرك البعد الذي بينهما. وإن كان بعد الجدار الأول عن الثقب بعدًا كبيرًا متفاوتًا فإنه يدرك الجدارين كأنهما متماسان وربما ظن انهما واحد متصل إذا كان لوناهما واحدًا. وإن كان الجدار الأول على بعد معتدل من الثقب وأحس أن الجدارين اثنان فإنه يظن أنهما متقاربان أو متماسان ولا يتحقق البعد الذي بينهما. ومع ذلك فإنه يدرك الجدار الأول إذا كان بعده معتدلًا كأنه قريب من الثقب ولا يتحقق بعده أيضًا. وليس يتحقق البعد الذي بين الجسمين اللذين بهذه الصفة بحاسة البصر، على تحقيقه إذا لم يكن شاهد ذلك الموضع ولا شاهد ذينك الجدارين من قبل ذلك الوقت ولا تقدم علمه بالبعد الذي بينهما. وربما أدرك البصر الجسمين اللذين بهذه الصفة كأنهما متماسان وإن كان قد تقدم علمه بالبعد الذي بينهما.

وإذا كان البصر ليس يدرك البعد الذي بين الجسمين اللذين بهذه الصفة، فليس يدرك كمية بعد الجسم الأخير، وهو مع ذلك يدرك صورته.وإذا كان ليس يدرك كمية بعد هذا الجسم مع إدراكه لهذا الجسم إذا لم يدرك الأجسام المسامتة لبعده، فليس يدرك البصر كمية بعد المبصر على التحقيق من إدراكه لصورة المبصر، وليس يدرك البصر كمية بعد المبصر إلا بالاستدلال. وليس يستدل بحاسة البصر على مقدار من المقادير إلا بقياس ذلك المقدار إلى مقدار قد أدركه ابصر من قبل أو مقدار يدركه معه في الحال. وليس شيء يقدر به البصر بعد المبصر ويقيسه به ويدرك مع ذلك مقداره على التحقيق بالقياس إلى ذلك الشيء إلا الأجسام المرتبة المسامتة لبعد المبصر. فأما إن قدر البعد بغير هذه الأجسام فهو حدث لا تقدير محقق. فليس تدرك كمية بعد المبصر بحاسة ابصر إلا إذا كان بعده مسامتًا لأجسام مرتبة متصلة وكان البصر يدرك تلك الأجسام ويدرك مقاديرها.

وللاعتبار الذي ذكرناه نظائر كثيرة من المبصرات. وذلك أن الناظر إذا رأى شخصين قائمين على وجه الأرض أو عمودين أو نخلتين، وكان بينهما بعد له قدر، وكان أحدهما يستر بعض الآخر في رأي العين، ولم يدرك الأرض التي بينهما في حال إدراكهما لاستتارهما بالشخص الأول، ولم يكن البصر رأى ذينيك العمودين أو الشخصين قبل ذلك الوقت ، وكان بعد الشخص الأخير ليس من العاد المتفاوتة، فإنه إذا نظر إليهما معًا يظن أنهما متماسان وبينهما بعد يسير ولا يحس بمقدار البعد الذي بينهما. ثم إذا انحرف عن موضعه حتى يرى الأرض المتصلة ينهما أدرك بعد الشخص الأخير وأدرك البعد الذي بين الشخصين وأحس بغلظ البصر في الإدراك الأول. فلو كان الناظر إلى هذين الشخصين يدرك مقدار بعد كل واحد منهما عن البصر من غير إحساسه بالأرض المتصلة بينهما، لقد كان يدرك مقدار بعد أحدهما عن الآخر في حال إدراكهما معًا وأحدهما يستر الآخر ومن قبل أن يدرك الأرض المتصلة بينهما.

وكذلك إن كان الناظر ينظر إلى ثقب ، وكان من وراء الثقب فضاء، وكان ذلك الفضاء حبل ممدود معترض أو عود معترض، وكان بين الحبل والعود وبين الثقب بعد مقتدر، وكان الناظر لا يرى الأرض المتصلة المسامتة للبعد الذي بين الحبل أو العود وبين الثقب، فإن الناظر يظن بذلك الحبل المعترض أو العود المعترض أو المعترض أنه مماس للثقب أو قريب جدًا منه، ولا يدرك كمية البعد الذي بين الحبل المعترض أو العود وبين الثقب ما لم يدرك الجسم المتصل المسامت لبعده ولم يتقدم علمه به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت