وهذه المبصرات منها ما أبعادها معتدلة ومنها ما أبعادها خارجة عن الاعتدال. فالتي أبعادها معتدلة فالبصر يدرك مقادير أبعادها إدراكًا صحيحًا متيقنًا. وذلك أن المبصرات التي أبعادها معتدلة وبينها وبين البصر أجسام مرتبة متصلة فإن البصر يدركها إدراكًا صحيحًا متيقنًا. وإذا أدرك هذه المبصرات إدراكًا متيقنًا فهو يدرك الأجسام المرتبة المتوسطة بينه وبينها إدراكًا متيقنًا. فإذا أدرك هذه الأجسام إدراكًا متيقنًا فهو يدرك المسافات التي بين أطرافها إدراكًا متيقنًا. وإذا كان يدرك المسافات إدراكًا متيقنًا فهو يدرك مقادير أبعاد المبصرات المسامتة لهذه المبصرات المسامتة لهذه المسافات إدراكًا متيقنًا. فالمبصرات التي أبعادها تسامت أجسامًا مرتبة متصلة وأبعادها عن البصر أبعاد معتدلة فالبصر يدرك ومقادير أبعادها إدراكًا صحيحًا متيقنًا. وأريد بالمتيقن غاية ما يدركه الحس.
فأما المبصرات التي أبعادها خارجة عن الاعتدال، وأبعادها تسامت أجسامًا مرتبة متصلة، والبصر مع ذلك يدرك تلك الأجسام، فإن إدراك البصر لمقادير أبعادها ليس هو إدراكًا صحيحًا متيقنًا. وذلك أن المبصرات التي أبعادها خارجة عن الاعتدال ليس يدركها البصر إدراكًا محققًا. فإذا كان بين البصر وبين هذه المبصرات أجسام مرتبة متصلة فليس يدرك البصر جميع هذه الأجسام إدراكًا محققًا، فليس يدرك المسافات التي بين أطرافها إدراكًا محققًا، فليس يدرك الأبعاد التي بينه وبين المبصرات التي عند أطراف هذه الجسام إدراكًا محققًا. فالمبصرات التي أبعادها خارجة عن الاعتدال، وبينها وبين البصر أجسام مرتبة متصلة، فليس يدرك البصر كميات أبعادها إدراكًا محققًا.
فأما المبصرات التي ليس لها تسامت أبعادها أجسامًا مرتبة متصلة فليس يدرك البصر كمية أبعادها. ولذلك إذا أدرك البصر السحاب في السهول وفي المواضع التي لا جبال فيها ظن أنه متفاوت البعد قياسًا على الأجرام السماوية. وإذا كان السحاب فيما بين الجبال وكان متصلًا فإنه ربما استترت رؤوس الجبال بالسحاب. وإذا كان السحاب منقطعًا ربما ظهرت رؤوس الجبال من فوق السحاب، وربما أدرك البصر القطع من السحاب ملتصقة ببطن الجبل، وربما كان ذلك في الجبال التي ليست بالشاهقة. فيظهر من هذا الاعتبار أن أبعاد السحاب ليست بالمتفاوتة وأن كثيرًا منها أقرب إلى الأرض من رؤوس الجبال وأن ما يظن من تفاوت بعدها غلط لا حقيقة له. ويتبين من ذلك أن البصر ليس يدرك مقدار بعد السحاب إذا أدركه في السهول وان مقدار بعد السحاب يدركه البصر إذا كان فيما بين الجبال وظهرت رؤوس الجبال في أعلاه وأدركت المواضع من الجبال التي يماسها السحاب.