الصفحة 96 من 245

فأما كيف إدراك القوة المميزة للبعد بالتمييز، فإن البصر إذا قابل المبصر بعد أن لم يكن مقابلًا له أدرك المبصر، وإذا أعرض البصر عن ذلك المبصر والتفت عنه بطل ذلك الإدراك. وكذلك إذا فتح البصر أجفانه بعد أن كانت مطبقة، وكان مقابلًا له مبصر من المبصرات، أدرك البصر ذلك المبصر، وإذا أطبق أجفانه من بعد إدراك ذلك المبصر بطل ذلك الإدراك. وفي فطرة العقل أن ما يحدث في البصر عند وضع من الأوضاع ويبطل في حال الالتفات ليس هو شيئًا ثابتًا في داخل البصر ولا محدثه في داخل البصر. وفي فطرة العقل أيضًا أن ما يحدث عند فتح الأجفان ويبطل عند انطباق الأجفان ليس هو شيئًا ثابتًا في داخل البصر ولا محدثه في داخل البصر. وإذا أدركت القوة المميزة أن المعنى الذي يحدث في البصر الذي منه يدرك البصر المبصر ليس هو شيئًا ثابتًا في داخل البصر ولا محدثه في داخل البصر، فقد أدركت أن ذلك الذي يحدث في البصر هو شيء يرد من خارج ومحدثه خارج عن البصر. وإذا كان الإبصار يبطل عند انطباق الأجفان وعند الإعراض ويحدث عند فتح الأجفان وعند المقابلة، فالقوة المميزة تدرك أن الذي يبصر ليس هو ملتصقًا بالبصر. وإذا أدركت القوة المميزة أن الذي يبصر ليس هو في داخل البصر ولا هو ملتصقًا بالبصر، فقد أدركت أنه بينه وبين البصر بعدًا. لأن في فطرة العقل أو في غاية الظهور للتمييز أن ما ليس هو في الجسم ولا ملتصقًا به فإن بينه وبينه بعدًا. وهذا هو كيفية إدراك حقيقة بعد المبصر بما هو بعد.

وليس تحتاج القوة المميزة في إدراك البعد إلى التفصيل الذي فصلناه، وإن ما فصلناه للتبيين . والقوة المميزة تدرك نتيجة هذا التفصيل وفي حال الإبصار من غير حاجة إلى تفصيل. فمن إدراك البصر للمبصر عند مقابلته وبطلان الإدراك عند الإعراض عنه أو عند انطباق الأجفان قد أدركت القوة المميزة في الحال أن المبصر خارج عن البصر وغير ملتصق بالبصر. وعلى هذه الصفة أدركت القوة المميزة أن بين المبصر وبين البصر بعدًا. ثم لاستمرار هذا المعنى ولتكرره استقر في النفس من حيث لم يحس باستقراره ولا بكيفية استقراره أن جميع المبصرات خارجة عن البصر وأن كل مبصر فبينه وبين البصر بعد. فبعد المبصر عن البصر إنما أدرك بالتمييز وباليسير من التمييز، وهو من إدراك القوة المميزة أن الإبصار الذي يحدث في البصر هو لمعنى خارج عن البصر. ثم استقر هذا المعنى في النفس، فصار كل مبصر يدركه البصر قد فهمت القوة المميزة انه خارج عن البصر وبينه وبين البصر بعد.

ومع ذلك فليس يدرك البعد منفردًا كما ذكرنا من قبل، وليس يدرك البعد إلا مع غيره. وعند كلامنا في كيفية إدراك الوضع يتبين كيف يدرك البعد مع الوضع وكيف يدرك المبصر في موضعه.

فأما كمية البعد فيختلف إدراك البصر لها، ومنها ما يدرك بحاسة البصر لها، ومنها ما يدرك بحاسة البصر ويتحقق مقداره، ومنها ما ليس يدرك بحاسة البصر حقيقة مقداره. فبعد المبصر عن البصر يدرك من كل مبصر، ويتحقق من كل مبصر، وكمية البعد ليس يتحققها البصر من كل مبصر. وذلك أن المبصرات منها ما يكون بينه وبين البصر أجسام مرتبة متصلة، ومنها ما ليس بينه وبين البصر أجسام مرتبة متصلة فإنه إذا أدرك البصر الأجسام المرتبة التي تسامت أبعادها فهو يدرك مقادير تلك الأجسام، وإذا أدرك مقادير تلك الأجسام فهو يدرك مقادير المسافات التي بين أطرافها. والمسافة التي ين طرفي الجسم المرئي المسامت للبعد الذي بين البصر والمبصر، اللذين أحدهما يلي المبصر والآخر يلي الإنسان الناظر، وهي بعد المبصر عن البصر، لأنها تسامت المسافة بين البصر والمبصر. فإذا أدرك البصر مقدار هذه المسافة فقد أدرك مقدار بعد المبصر. فالبصر يدرك كمية أبعاد المبصرات التي أبعادها تسامت أجسامًا مرتبة متصلة من إدراكه لمقادير الأجسام المرتبة المسامتة لأبعادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت