الصفحة 66 من 245

فأما الرطوبة الجليدية فقد جمعت صفات بها يتم الإحساس. وذلك أنها رطبة ومع ذلك ترفة وفيها بعض الشقفيف وفيها بعض الغلظ، وعليها غشاء وغشاؤها في غاية الخفة. وشكل سطحها مركب من سطحين كريين مختلفين، والمقدم منهما أعظم كرية من كرية الباقي. فأما كونها رطبة فليسهل انفعالها بالأضواء لرطوبتها، فيسرع فيها تأثير الصور التي ترد إليها. وكونها ترفة فليلطف حسها فتحس باللطيف الضعيف من الصور، لأن الأجسام الترفة تكون لطيفة الحس. وكان فيها شفيف لتقبل الأضواء والألوان وتنفذ الأضواء والألوان فيها. كان فيها غلظ ولم تكن في غاية الشفيف لتدافع صور الأضواء والألوان التي ترد إليها وتمنعها من النفوذ فيها بما فيها من الغلظ. فيتم للصور بمدافعتها وثبوت الضوء تأثيرها فيها وتظهر للقوة الحساسة صورة الضوء واللون التي تثبت فيها. ولو كانت في غاية الشفيف لنفذت الصور فيها ولم تثبت فيها. ولو لم تثبت الصورة في هذه الرطوبة لم تحس هذه الرطوبة في سطحها ولا في جسمها بشيء من الصور، ولم تنفعل بالصور الانفعال الذي هو من جنس الألم، ولم تظهر الصورة لها ولم تدركها.

فأما الغشاء الذي على هذه الرطوبة فإنما هو ليضبطها فلا تتشتت لرطوبتها، وليشكلها أيضًا هذا الغشاء ويحفظ عليها شكلها، لأن الرطوبات إن لم يحصرها حاصر تشتت ولم تثبت مع ذلك على شكل واحد. وأيضًا فإن الرطوبات ليس تتشكل بشكل كري إلا إذا حصرها كري. فاشتمال الغشاء على هذه الرطوبة إنما هو ليضبطها وليشكلها بالشكل الكري. وكان هذا الغشاء خفيفًا وفي غاية الخفة لئلا يستر عنها الصور التي ترد إليها . فأما كريتها فلاعتدال شكل الكرة واحتمائه من التغير. وكون سطح مقدمها من كرة اعظم فليكون موازيًا لسطح مقدم البصر ويكون مركزاهما نقطة واحدة.

فأما العصبة الجوفاء التي جملة العين مركبة عليها فإنما كانت جوفاء لتجري فيها الروح الباصرة من الدماغ وتصل إلى الجليدية فتغطيها القوة الحساسة على الاستمرار، ولينفذ أيضًا الضوء في تجويفها وفي الجسم اللطيف الجاري فيها إلى أن يصل إلى الحاس الأخير الذي في مقدم الدماغ.

وكان مبدأ العصبتين الجوفاوين اللتين تتركب عليهما العينان من جنبتي مقدم الدماغ ليكون وضع البصرين من مبدأيهما وضعًا متشابهًا معتدلًا. ولم يكن مبدؤهما من وسط مقدم الدماغ لأن هذا الموضع يختص بحاسة الشم. فلهاتين العلتين صار مبدأ العصبتين من جنبتي مقدم الدماغ.

فأما لم كان البصران اثنين ولم يكن البصر واحدًا فإن ذلك رأفة من الصانع تعالى واستظهار من الطبيعة حتى متى حدث بأحدهما آفة بقي الآخر، ولتحسين صورة الجسم أيضًا بهما.

ثم إن العصبتين الجوفاوين تلتقيان عند وسط مقدم الدماغ وتصيران عصبة واحدة جوفاء ويصير واحدًا. وإنما صار ذلك كذلك لما ذكرناه من قبل في كيفية الإبصار: وهو أن الشخص الواحد يبصر ببصرين، فإذا نظر الناظر إلى مبصر واحد بكل واحد من البصرين بصورة ذلك المبصر، فتحصل في البصر صورتان لذلك المبصر، فلو تأدت الصورتان إلى الحاس الأخير لكان يدرك المبصر الواحد اثنين، فالتقت العصبتان وصارت واحدة وصار تجويفهما تجويفًا واحدًا لتنتهي الصورتان من البصرين إلى هذه العصبة وتنطبق إحديهما على الأخرى فتصيران صورة واحدة، فيدرك الحاس الأخير المبصر الواحد واحدًا . فلهذه العلة التقت العصبتان وصارتا واحدة وصار التجويفان تجويفًا واحدًا.

فأما سطوح طبقات البصر المشفة فهي سطوح كرية متوازية مركزها نقطة واحدة. وإنما كانت كرية لتكون الأعمدة التي تقوم على سطوحها تخرج من نقطة واحدة، وهي مركزها، ثم تسع ويبعد ما بين أطرافها كلما بعدت عن المركز، فيكون المخروط الذي يمتد من المركز إلى مبصر من المبصرات، الذي فيه تخرج جميع الأعمدة من ذلك المبصر على سطح البصر، يفصل من سطح البصر ومن سطح العضو الحاس جزءًا صغيرًا، ويكون ذلك الجزء مع صغره يحيط بجميع الصورة التي ترد من ذلك المبصر إلى البصر. ولو كانت سطوح طبقات البصر مسطحة لكانت صورة المبصر لا تصل إلى البصر على الأعمدة إلا إذا كان البصر مساويًا للمبصر. وليس شكل من الأشكال فجميع الأعمدة التي تقوم على سطحه وتلتقي على نقطة واحدة وتحدث من الأعمدة التي تقوم عليه مخروطات تتسع أطرافها ويكون السطح الذي تقوم عليه متشابه الترتيب غير شكل الكرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت