وإذا كان المبصر عظيم الحجم فسيح الأقطار، وكان سهما البصرين ثابتين على نقطة منه وغير متحركين، فإن صورته تظهر واحدة، ويكون موضع الالتقاء منه وما يليه محققًا غير مشتبه، ويكون ما يلي أطرافه وحواشيه ملتبسًا غير محقق لحالتين: إحداهما أن أطرافه تدرك بشعاعات بعيدة عن السهم فليس تكون في غاية البيان، والثانية أنه ليس كل نقطة منه تحصل صورتها في تجويف العصبة المشتركة في نقطة واحدة. فإذا تحرك السهمان على جميع أجزاء المبصر الذي بهذه الصفة فحينئذ تتحقق صورته. فإن كان المبصر خارجًا عن السهم المشترك وبعيدًا عنه، فإن صورته ليس تكون محققة، لأن وضع كل نقطة منه من البصرين ليس يكون وضعًا متشابهًا لاختلاف بعدي النقطة من المبصر الذي بهذه الصفة عن النقطتين من سطحي البصرين اللتين تحصل فيهما صورتاها وعن السهمين. فإذا مال البصران معًا إلى المبصر الذي بهذه الصفة حتى يصير السهم المشترك على هذا المبصر أو قريبًا منه تحققت حينئذ صورته.
وكذلك إذا أراد البصر عدة من المبصرات معًا، والتقى سهما البصرين على واحد من تلك المبصرات وثبتا عليه، وكانت المبصرات الباقية خارجة عن السهم، وكان المبصر الذي التقى عليه السهمان صغير الحجم، فإن صورة المبصر الذي التقى عليه السهمان تحصل في تجويف العصبة المشتركة صورة واحدة ومحققة. وإن كان المبصر على السهم المشترك كانت صورته أشد تحققًا من صورة المبصر الخارج عن السهم المشترك وإن التقى عليه السهمان. وما كان من المبصرات الباقية التي يدركها البصر في تلك الحال قريبًا من المبصر الذي التقى عليه السهمان، وكان مع ذلك صغير الحجم، فإن صورته تحصل في تجويف العصبة المشتركة واحدة وليس فيها اشتباه يؤثر في صورتها، لأن صورته تكون قريبة من المركز. وما كان من المبصرات التي يدركها البصر في تلك الحال بعيدًا عن المبصر الذي التقى عليه السهمان فإن صورته تحصل في تجويف العصبة المشتركة ملتبسة. فإما تكون صورتين وتكونا متداخلتين لأنهما في جهة واحدة والاختلاف الذي بين وضعيهما في البعد ليس يكون متفاوتًا، وإذا كان الاختلاف في البعد الذي بين الصورتين يسيرًا كانت الصورتان متداخلتين، وإما أن تكون صورة بعض أجزائه صورتين وصورة بعض أجزائه صورة واحدة، فتكون صورة ما هذه حاله من المبصرات ملتبسة على جميع الأحوال، من أجل اختلاف وضع الشعاعات التي تخرج إليه ومن أجل أن الشعاعات الخارجة إليه تكون بعيدة عن السهمين. فالمبصر المائل عن السهمين البعيد عن موضع التقاء السهمين تكون صورته ملتبسة غير محققة ما دام بعيدًا عن ملتقى السهمين، فإذا تحرك السهمان والتقيا عليه تحققت صورته.
فأما إذا التقى سهما البصرين على مبصر من المبصرات وكان البصران مع ذلك يدركان مبصرًا آخر، وكان ذلك المبصر الآخر أقرب إلى البصرين من المبصر الذي التقى عليه السهمان أو بعد منه، وكان مع ذلك فيما بين السهمين، فإن وضعه من البصرين يكون مختلفًا في الجهة. وذلك أنه كان فيما بين السهمين، فإنه يكون متيامنًا عن أحد السهمين ومتياسرًا عن الآخر، وتكون الشعاعات التي تخرج إليه من أحد البصرين متيامنة عن السهم والتي تخرج إليه من البصر الآخر متياسرة عن السهم، فيكون وضعه من البصرين وضعًا مختلفًا في الجهة. وما هذه حاله من المبصرات فإن صورته تحصل في البصرين في موضعين مختلفي الوضع، وتنتهي صورتاه التي تحصل في البصرين إلى موضعين مختلفين من تجويف العصبة المشتركة، وتكونان عن جنبتي المركز، فتكونان صورتين ولا تنطبق إحديهما على الأخرى.
وكذلك إذا كان المبصر على أحد السهمين، وكان خارجًا عن السم الآخر، فإن صورته تحصل في تجويف العصبة المشتركة صورتين إحديهما على المركز والأخرى مائلة عن المركز ولا تنطبق إحداهما على الأخرى.
فأما كيف تعتبر جميع هذه المعاني اعتبارًا يقع معه اليقين فإن ذلك يكون كما نصف.