الصفحة 164 من 245

والمبصر أيضًا إذا كان في غاية الصغر وكانت فيه معان لطيفة وأجزاء متميزة فليس يدركه البصر إدراكًا صحيحًا، كالحيوانات التي في غاية الصغر التي أعضاؤها المتميزة وتخطيط وجوهها وجوارحها في حد من الصغر ليس في قوة البصر إدراكه. فإن ما هذه صفته من الحيوانات إذا أدركها البصر فليس يدركها إدراكًا صحيحًا، ولا يتحقق صورتها، لأن الحيوان إذا لم يدرك البصر جميع أعضائه المتميزة التي هي ظاهر جسمه فما أدرك حقيقة صورته. وإذا كان حجم الحيوان مقتدرًا، كانت أعضاؤه مناسبة له، وأمكن البصر أن يدرك كل واحد من أعضائه المتميزة التي في ظاهر جسمه. وإذا أدرك البصر كل واحد من أعضائه المتميزة التي في ظاهره فقد أدرك صورته على ما هي عليه. وكذلك جميع المبصرات التي فيها معان في غاية الدقة ليس يدرك البصر حقائق صورها. وإذا كانت تلك المعاني في مبصرات مقتدرة، وكانت مناسبة لها، فإن البصر يدرك تلك المبصرات إدراكًا صحيحًا.

والمبصر أيضًا إذا كان مشفًا وكان فيه بعض الكثافة وكانت كثافته يسيرة جدًا، فلي يدركه البصر إدراكًا صحيحًا. وإذا لم يكن مشفًا أو كان فيه شفيف يسير وكانت كثافته بينة، فإن البصر يدركه إدراكًا صحيحًا. وكلما كان المشف أرق لونًا احتاج في إدراكه إلى الزيادة في الكثافة، وكلما كان أقوى لونًا أمكن البصر أن يدركه مع كثافة يسيرة لا يدرك معها حقيقة المبصر الرقيق اللون إدراكًا صحيحًا. والهواء المتوسط بين البصر والمبصر إذا كان غليظًا كدرًا مسف الغلظ كالضباب والقتام والدخان وما جرى مجرى ذلك، وكانت فيه مبصرات لطيفة ومبصرات فيها معان لطيفة، فليس يدرك البصر تلك المبصرات إدراكًا صحيحًا. وكذلك إذا قطع الهواء المتوسط بين البصر والمبصر جسم مشف فيه بعض الغلظ فليس يدرك البصر ذلك المبصر إدراكًا صحيحًا. وإذا كان الهواء صافيًا مشفًا لطيفًا متشابه الشفيف ولم يقطعه جسم من الأجسام التي فيها كثافة فإن البصر يدرك المبصرات التي تكون في ذلك الهواء إدراكًا صحيحًا. وكذلك إذا كان في الهواء بعض الغلظ، وكان الغلظ الذي فيه يسيرًا، وكان فيه مبصرات ليست في غاية الصغر، وليس فيها معان في غاية اللطافة، فإن البصر يدرك تلك المبصرات إدراكًا صحيحًا، ولا يعوقه ذلك الهواء عن إدراكها وإن كان فيه بعض الغلظ، ويكون غلظ الهواء الذي يدرك فيه المبصر إدراكًا صحيحًا بحسب المعاني التي في المبصر، فإن المبصر الذي ليس فيه معان لطيفة قد يدرك البصر حقيقته في هواء فيه بع الغلظ ولا يدرك في ذلك الهواء حقيقة المبصر الذي فيه معان لطيفة.

والمبصر أيضًا إذا كان متحركًا حركة سريعة في غاية السرعة وقطع المسافة التي يدركه البصر فيها في أقل القليل من الزمان فليس يدرك البصر مائية ذلك المبصر إدراكًا صحيحًا. كالناظر إذا كان ينظر من ثقب أو من باب، وكان بعيدًا عن الثقب أو الباب، وكان المبصر من وراء الثقب مجتازًا وكان متحركًا حركة سريعة كالخطف، وأدركه البصر من الثقب، فإنه ليس يدرك مائيته ولا يتحقق صورته أو لا يدرك صورته إدراكًا صحيحًا. وإذا ثبت المبصر في قبالة البصر، أو تحرك في قبالة البصر مسافة ليست متفاوتة العظم في زمان محسوس، فإن البصر يدرك مائية ذلك المبصر ويدرك حقيقته.والحركة أيضًا إذا كانت مستديرة كحركة الدوامة وكانت شديدة السرعة، فإن البصر ليس يدركها، ويدرك الدوامة أو الجسم المتحرك بحركة الدوامة إذا كان شديد السرعة كأنه ساكن. وكذلك أيضًا الحركة البطيئة المسرفة البطء ليس يدركها البصر في اليسير من الزمان، ويدرك البصر المبصر المتحرك حركة بطيئة مسرفة البطء في زمان محسوس المقدار كأنه ساكن وغير متحرك.

والبصر أيضًا إذا كانت به آفة مؤثرة فيه ولم يكن صحيحًا سليمًا أو عرض له عارض يغيره تغييرًا مؤثرًا فليس يدرك المبصر إدراكًا صحيحًا. وإذا كان صحيحًا سليمًا من الآفات والعوارض فإنه يدرك المبصر إدراكًا صحيحًا. وإن كان به عارض يسير أيضًا فإنه قد يدرك المبصرات التي ليست في غاية الصغر ولا فيها معان في غاية اللطافة إدراكًا صحيحًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت