فأما لم يدرك البصر المبصر من القرب الشديد أعظم من مقداره الحقيقي فإن ذلك لأن البصر إنما يدرك مقدار عظم المبصر من قياس العظم بزاوية المخروط الذي يحيط بذلك المبصر مع القياس بالبعد الذي بين البصر وبين ذلك المبصر. وإذا كان المبصر شديد القرب من البصر فإن زاوية المخروط المحيط به تكون عظيمة المقدار، ويكون البعد الذي إليه تقيس القوة المميزة مقدار المبصر ومن القياس إليه تدرك مقدار المبصر هو بعد المبصر عن سطح البصر، لأن مقدار البعد إنما يدركه البصر من إدراكه الأجسام المرتبة التي تسامت البعد، والبعد الذي تسامته الأجسام المرتبة الذي يدركه البصر دائمًا ويقدره دائمًا هو بعد المبصر عن سطح البصر. والبعد الذي بالقياس إليه يدرك مقدار المبصر على حقيقته هو البعد الذي بين المبصر ومركز البصر. فبين البعد الذي إليه تقيس القوة المميزة عظم المبصر وبين البعد الذي إليه يجب أن يكون القياس تفاوت مقداره هو نصف قطر كرة البصر. إلا أن الأبعاد المعتدلة التي منها يدرك البصر المبصرات المألوفة وإليها تقيس القوة المميزة أبدًا مقادير المبصرات ليس يؤثر في مقاديرها مقدار نصف قطر كرة البصر، فلذلك يدرك البصر مقادير المبصرات من الأبعاد المعتدلة على ما هي عليه ولا يكون بين ما يدركه البصر من مقاديرها وبين مقاديرها الحقيقية تفاوت محسوس. فإذا صار المبصر قريبًا جدًا من البصر صار البعد الذي بينه وبين سطح البصر يسيرًا جدًا، وهو الذي إليه تقيس القوة المميزة مقدار المبصر، ويصير التفاوت الذي بين هذا البعد وبين البعد الذي إليه يجب أن يكون القياس، الذي هو مقدار نصف قطر كرة البصر، تفاوتًا له قدر مؤثر، لأن المبصر إذا كان قريبًا جدًا من البصر، وأدرك البصر مقداره أعظم من مقداره الحقيقي، فقد يكون بعده عن سطح البصر مثل نصف قطر كرة البصر، وربما كان بعده عن سطح البصر أقل من هذا القدر. وإن كان بعده الذي يظهر منه يظهر مقداره أعظم مما هو أكبر من نصف قطر كرة البصر بمقدار يسير البعد الذي يجب أن يكون القياس إليه مساويًا للبعد الذي إليه يقع القياس أو أعظم منه أو عظيم النسبة إلأيه، فيكون إدراك مقدار المبصر إذا كان شديد القرب من البصر من قياس مقدار المبصر بزاوية المخروط المحيط بذلك المبصر، وهي زاوية عظيمة، ومن القياس إلى بعد هو أصغر من البعد الذي يجب أن يكون القياس إليه بمقدار هو مثل البعد الذي إليه يقع القياس أو أعظم منه أو عظيم النسبة إليه. فلذلك يدرك البصر مقدار المبصر إذا كان شديد القرب من البصر أعظم من مقداره الحقيقي. وكلما زاد المبصر قربًا من البصر كان التفاوت الذي بين بعده الذي إليه يقع القياس وبين البعد الذي يجب أن يكون القياس إليه اعظم قدرًا. فلذلك كلما ازداد المبصر قربًا من البصر ازداد مقداره في الحس عظمًا. فقد تبينت العلة التي من أجلها يدرك البصر مقدار المبصر إذا كان شديد القرب من البصر أعظم من مقداره الحقيقي، وكلما ازداد المبصر قربًا من البصر ازداد مقداره في الحس عظمًا.
التفرق وقد يعرض الغلط في التفرق من أجل تفاوت البعد. وذلك أنه إذا كان جسم فسيح الأقطار، وكان مختلف الألوان، وكان واحد من تلك الألوان يقسم سطح ذلك الجسم في مواضع متفرقة أو في موضع واحد، فيعرض من ذلك أن ينقسم سطح ذلك الجسم بذلك اللون في موضع أو في مواضع متفرقة، ويكون اللون الذي يقطع سطح ذلك الجسم من الألوان المظلمة، ويكون الموضع الذي فيه هذا اللون من سطح الجسم ذا عرض مقتدر، فإن البصر إذا أدرك الجسم الذي بهذه الصفة من بعد متفاوت وأدرك اللون المظلم الذي يقطعه، فإنه يظهر للبصر أنه عدة أجسام متفرقة متجاورة، إذا لم يكن قد تقدم علم الناظر بذلك الجسم، وظن بذلك اللون المظلم أنه تفرق بين تلك الأجسام، فيدرك الجسم المتصل متفرقًا. ومن الأجسام التي بهذه الصفة التي يعرض فيها مثل هذا الغلط هي الجدران التي يكون في تضاعيفها أو في وجوهها أخشاب قائمة إذا كان البصر يدركها من بعد متفاوت.