الصفحة 200 من 245

وإذا أدرك البصر الضوء في بعض المواضع من الجدران ومن سطح الأرض منكسرًا، فإنه ربما ظنه من أجل انكساره ظلًا، وأن الضوء الذي في سطح ذلك الجدار أو في ذلك الموضع من الأرض ليس بمتشابه، وخاصة إذا كان المبصر الذي بهذه الصفة فيما بين جدران وأشخاص يحتمل أن تكون تلك المواضع المنكسفة والترابية أظلالًا لها. وإذا أدرك المواضع المضيئة التي لا ظل عليها مستظلة فهو غالط فيما يدركه من استظلالها. وهذا الغلط هو غلط في القياس لأن الظل يدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال، لأن المبصر الذي بهذه الصفة إذا كان على بعد معتدل فإن البصر يدرك ألوانه على ما هي عليه ويدرك الضوء الذي فيه على ما هو عليه إذا كانت المعاني الباقية التي فيه في عرض الاعتدال.

وقد يعرض الغلط في الظلمة أيضًا من أجل تفاوت البعد. وذلك أن المبصر إذا أدرك جدارًا أبيض نقي البياض من بعد متفاوت، وكان في ذلك الجدار جسم أسود كالمرايا التي تكون في الحيطان وكالأبواب التي تتخذ من الأخشاب السود، ولم يتقدم علم الناظر بذلك الجدار وبتلك الجسام السود، فإن البصر ربما ظن بتلك الأجسام السود أنها كوى ومنافذ تفضي إلى مواضع مظلمة وأن ذلك السواد إنما هو مظلمة.

وإذا أدرك البصر الجسم الأسود ظلمة فهو غالط فيما يدركه من الظلمة، وهذا الغلط هو غلط في القياس لأن الظلمة إنما تدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال، لأن المبصر الذي بهذه الصفة إذا أدركه البصر من بعد معتدل فإنه يدركه على ما هو عليه ويدرك الأجسام السود أجسامًا ولا يعرض له الغلط في مائيتها إذا كانت المعاني الباقية في تلك المبصرات في عرض الاعتدال.

الحسن وقد يعرض الغلط في الحسن أيضًا من أجل خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال. وذلك أن المبصر الحسن الصورة إذا كانت فيه وشوم أو غضون أو مسام أو آثار أو خشونة أو معان لطيفة تشين حسنه وتكسف صورته، فإنه إذا بعد عن البصر بعدًا تخفى منه تلك الوشوم وتلك المعاني اللطيفة ولا يكون بعدًا مسرفًا فإن صورته تظهر من ذلك البعد مستحسنة. والبعد الذي تخفى منه المعاني اللطيفة التي تكون في المبصر هو خارج عن الاعتدال بالقياس إلى ذلك المبصر، لأن البعد المعتدل بالقياس إلى المبصر هو البعد الذي يظهر منه جميع المعاني التي في ذلك المبصر ويدرك منه المبصر على ما هو عليه.

وإذا أدرك البصر المبصر الذي ليس بحسن حسنًا، وأدرك صورته خالية من المعاني التي تشينه وتكسف حسنه، ولم يشك في حسنه مع خفاء المعاني اللطيفة التي فيه، فهو غالط فيما يدركه من حسنه. وهذا الغلط هو غلط في القياس، لأن الحسن يدرك بالقياس، ولأن هذا الغلط إنما هو لتعويل البصر على المعاني الظاهرة فقط وسكونه إلى نتائجها. وعلة هذا الغلط هو خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال، لأن المبصر الذي بهذه الصفة إذا كان على بعد معتدل بالقياس إلى ذلك المبصر فإن البصر يدرك صورته غير مستحسنة، إذا كانت المعاني الباقية التي في ذلك المبصر في عرض الاعتدال.

القبح وقد يعرض الغلط في القبح من أجل خروج بعد المبصر إذا كان ذا لون غير مستحسن أو شكل غير مستحسن أو هيئة غير مستحسنة، أو مجموع ذلك، وكانت فيه نقوش وتخاطيط وأجزاء صغار ومعان لطيفة، وكانت تلك التخاطيط وتلك المعاني الطيفة مستحسنة، وكان ذلك المبصر مستحسنًا من أجل تلك المعاني التي فيه، فإن ذلك المبصر إذا أدركه البصر من بعد خارج عن الاعتدال ولم تظهر تلك المعاني التي فيه التي منها يظهر حسنه فإن البصر يدرك ذلك المبصر قبيحًا غير مستحسن، وربما لم يشك في قبحه، إذا لم يتقدم العلم بما في ذلك المبصر من المحاسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت