الصفحة 202 من 245

فأما كيف يكون غلط البصر في القياس من أجل خروج وضع المبصر عن عرض الاعتدال، إذا عرض الغلط في مقدار البعد، فكالشخصين القائمين على وجه الأرض إذا كانا على سمت واحد بالقياس إلى البصر، وكان أحدهما يستر بعض الآخر، وكان البصر يدركهما جميعًا، وكان البصر مع ذلك لا يدرك سطح الأرض المتوسط منهما لاستتار المسافة التي بينهما بالشخص المتقدم منهما، فإن البصر يدرك الشخصين اللذين بهذه الصفة كأنهما متماسان أو متقاربان، ولا يحس بالبعد بينهما، إذا لم يكن قد تقدم علم الناظر بذينك الشخصين، ولم يكن رأى البعد الذي بينهما قبل ذلك الوقت، وإن كان أبعدهما من الأبعاد المعتدلة إذا لم يكن شديد القرب من البصر.

وإذا أدرك البصر الشخصين المتباعدين متماسين أو متقاربين فهو غالط فيما يدركه من بعد أحدهما. وهذا الغلط هو غلط في القياس لأن البعد يدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج وضع البعد الذي بين ذينك الشخصين عن عرض الاعتدال بامتداده على استقامة سمت خطوط الشعاع الذي يمتد إلى الشخصين، لأن الشخصين اللذين بهذه الصفة إذا كان البعد الذي بينهما معترضًا وقاطعًا لخطوط الشعاع فإن البصر يدرك البعد الذي بينهما ويدرك مقدار بعد كل واحد منهما إذا كانت المعاني الباقية التي في ذينك الشخصين في عرض الاعتدال.

الوضع وقد يعرض الغلط في وضع المبصر أيضًا من أجل خروج وضعه عن عرض الاعتدال. وذلك أن المبصر إذا كان صغير الحجم، وكان خارجًا عن سهم الشعاع وبعيدًا عن السهم، وكان البصر مع ذلك محدقًا إلى مبصر آخر وسهم الشعاع على المبصر الذي يحدق إليه، وكان سطح المبصر البعيد عن السهم مائلًا عن سمت المواجهة ميلًا يسيرًا، أعني أن يكون سطح المبصر مائلًا عن الخط المتوهم الذي يخرج من ذلك السطح إلى السهم المشترك ويكون عمودًا عليه، ويكون ميله عن وضع هذا الخط ميلًا ليس بالمتفاوت، فإن البصر ليس يدرك ميل المبصر الذي بهذه الصفة إذا كان بعيدًا عن السهم وكان مع ذلك صغير الحجم، ولا يفرق البصر بين وضع المبصر المائل عن سمت المواجهة وبين المبصر الذي على سمت المواجهة إذا كان المبصر خارجًا عن سهم الشعاع وبعيدًا عنه وكان صغير الحجم، وذلك لأن المبصر البعيد عن سهم الشعاع ليس يدرك البصر صورته إدراكًا محققًا ولا يتمكن من تأمله وتمييز وضع سطوحه، وليس الخط المعترض الذي يحد سمت المواجهة موجودًا عند الإبصار المألوف فيقيس البصر وضع سطح المبصر في الحال إليه. وإذا لم يتحقق البصر صورة المبصر ولم يجد أمارة ظاهرة يقيس بها وضع سطح المبصر في الحال، ولم يكن ميل المبصر في الحال عن سمت المواجهة ميلًا متفاوتًا، فإنه يدرك ذلك المبصر على سمت المواجهة ولا يفرق بين وضعه وبين وضع المبصرات التي يدركها على سمت المواجهة، لأن الميل اليسير في أوضاع المبصرات ليس يدركه البصر إلا مع تحقق صورة المبصر وبالتأمل المستقصى، وإذا كان البصر محدقًا إلى مبصر آخر ومتأملًا له فليس يدرك المبصر الخارج عن سهم الشعاع إدراكًا محققًا ولا يتمكن من تحققه.

الشكل وإذا أدرك البصر المبصر المائل عن سمت المواجهة على سمت المواجهة ولم يفرق بينه وبين المواجهة فهو غالط في وضعه. وهذا الغلط هو غلط في القياس لأن الوضع يدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج وضع المبصر عن عرض الاعتدال، لأن المبصر إذا كان مقابلًا لوسط البصر وكان على سهم الشعاع أو قريبًا منه فإن البصر يدرك وضعه على ما هو عليه إذا كانت المعاني الباقية التي في ذلك المبصر في عرض الاعتدال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت