الصفحة 209 من 245

وإذا أدرك البصر الموضع المضيء الذي لا ظل فيه مستظلًا فهو غالط فيما يدركه من الظل. والغلط في الظل هو غلط في القياس لأن الظل يدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج وضع المبصر الذي بهذه الصفة عن عرض الاعتدال، لأن هذا المبصر بعينه إذا كان البصر مقابلًا له، وكان سهم الشعاع متحركًا عليه، فإنه يدركه على ما هو عليه، ويدرك الضوء الذي فيه على ما هو عليه، ولا يدركه مستظلًا، إذا كانت المعاني الباقية التي فيه في عرض الاعتدال.

الظلمة وكذلك إذا كان الجدار وضعه هذا الوضع، وكان نقي البياض، وكانت فيه مواضع سود وأجسام سود كالمرايا التي تكون في الحيطان، وكان الضوء الذي على ذلك الجدار ضوءًا معتدلًا لا صريح ضوء الشمس، فإن البصر ربما ظن بتلك الأجسام السود وتلك المواضع أنها كوىً ومنافذ تفضي إلى مواضع مظلمة إذا لم يكن قد تقدم علم الناظر بتلك الأجسام السود.

وإذا ظن الحاس بسواد الأجسام المصمتة أنها كوى ومنافذ مظلمة فهو غالط فيما يظنه من الظلمة، ويكون غلطه غلطًا في القياس لأن الظلمة تدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج وضع المبصر عن عرض الاعتدال، لأن المبصر الذي بهذه الصفة إذا كان مقابلًا للبصر، وكان سهم الشعاع متحركًا على سطحه، فإنه يدرك الأجسام السود التي فيه أجسامًا على ما هي عليه ولا يظنها مواضع مظلمة، إذا كانت المعاني الباقية التي في المبصر الذي بهذه الصفة في عرض الاعتدال.

الحسن وقد يعرض الغلط في الحسن أيضًا من أجل خروج وضع المبصر عن وضع الاعتدال. وذلك أن المبصرات التي ظواهر معانيها حسنة، إذا كانت فيها معان دقيقة تشينها وتكسف حسنها وتقبحها، كالنمش والآثار والكلف في أشخاص الناس وكالزئبر والخشونة في الثياب الصقيلة وما يجري مجرى ذلك في سائر المبصرات، إذا كان المبصر الذي بهذه الصفة خارجًا عن سهم الشعاع وبعيدًا عنه، وكان البصر ناظرًا إلى مبصر آخر وسهم الشعاع على ذلك المبصر الآخر، وكان البصر مع ذلك يدرك ذلك المبصر الحسن الصورة المقبح بما فيه من المعاني الدقيقة، فإنه يدركه حسنًا لا شين فيه. لأن البصر إذا أدرك المبصر على الوضع الذي وصفناه فليس يدركه إدراكًا محققًا، وإذا لم يدرك البصر المبصر الذي بهذه الصفة إدراكًا محققًا فليس يدرك المعاني اللطيفة التي تشينه وتقبحه، وإذا لم يدرك المعاني التي تقبحه وكانت المعاني الظاهرة التي فيه مستحسنة فإن البصر يدركه مستحسنًا ولا يشك في حسنه ولا يحس بشيء من قبحه.

وإذا أدرك البصر المبصر القبيح الصورة حسنًا فهو غالط في حسنه، ويكون غلطه غلطًا في القياس لأن الحسن يدرك بالقياس ولأن هذا الغلط هو لاقتناع البصر بالمقدمات الظاهرة وسكونه إلى نتائجها. وعلى هذا الغلط هو خروج وضع المبصر عن عرض الاعتدال، لأن المبصر الذي بهذه الصفة إذا كان مقابلًا لوسط البصر وكان سهم الشعاع متحركًا على سطحه فإنه يدركه إدراكًا محققًا ويدرك جميع المعاني التي تشينه ويدرك صورته مقبحة على ما هي عليه، إذا كانت المعاني التي فيه في عرض الاعتدال.

القبح وقد يعرض الغلط في القبح أيضًا من أجل خروج وضع المبصر عن عرض الاعتدال. وذلك أن الأحجار والجدران المنقوشة بالحفر والأخشاب والأبواب أيضًا المنقوشة بالحفر، إذا كانت نقوشها مستحسنة وكانت ألوانها وأشكالها غير مستحسنة، فإن البصر إذا أدرك المبصر من هذه وكان سطح ذلك المبصر مائلًا على خطوط الشعاع ميلًا متفاوتًا فإنه لا يدرك نقوشها ويدرك ألوانها وأشكالها. فإن أدرك شيئًا من تخاطيط نقوشها فليس يدركه على ما هو عليه ولا يتحقق معانيه، إذا كانت النقوش بالحفر وكان سطح المبصر شديد الميل. وإذا لم يدرك البصر النقوش المستحسنة التي في المبصرات التي بهذه الصفة التي بها تستحسن تلك المبصرات، أو لم يدرك النقوش المستحسنة إدراكًا محققًا يفهم معه معانيها، فليس يدرك محاسن تلك المبصرات ولا يحس بحسنها. والبصر مع ذلك يدرك ألوانها وأشكالها المستقبحة. وإذا لم يدرك البصر محاسن المبصر وأدرك مقابحه فهو يدركه في الحال قبيحًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت