الصفحة 224 من 245

وقد يعرض الغلط في الحركة أيضًا من أجل خروج كثافة المبصر عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر إذا نظر إلى جسم مشف شديد الشفيف نقي البياض، وكانت أطراف ذلك الجسم مستترة عن البصر، وهو أن يكون البصر يدرك ذلك المبصر من ثقب أو من باب ضيق، وكان وراء الجسم وقريبًا منه أو مماسًا له جسم مختلف الألوان، وكان ذلك لجسم المختلف الألوان يتحرك حركة على الاستدارة أو حركة اضطراب أو حركة ترجح، أعني أن يتحرك في جهة عرض المشف ويعود سريعًا إلى الجهة التي منها تحرك، فإن البصر إذا أدرك المبصر المشف على هذه الصفة فإنه إن لم يكن قد تقدم علم الناظر بذلك الجسم أنه مشف فإنه يظن به أنه متحرك. وذلك لنه إذا لم يكن قد تقدم علم الناظر بشفيف ذلك الجسم فإنه يظن بالضوء الذي يظهر من ورائه أنه لون ذلك الجسم المشف وأنه كثيف، وإذا أدرك تبدل الألوان المختلفة التي في الجسم المتحرك الذي يظهر من وراء الجسم المشف أو اختلاف أوضاعها فإنه يظن أن تلك الحركة وذلك التبدل إنما هو حركة الجسم الذي يدركه الذي يظنه كثيفًا متلونًا. وإذا أدرك المبصر الساكن متحركًا فهو غالط في حركته.

وقد يعرض الغلط في السكون أيضًا من اجل شدة الشفيف. وذلك أن البصر إذا أدرك جسمًا من الأجسام المشفة الشديدة الشفيف، وكان ذلك الجسم كريًا كالكرة البلور، وكانت تلك الكرة تتحرك حركة مسديرة، وهي ان تكون في يد إنسان وهو يحركها والناظر لا يعلم بتحريك المحرك لها، فإن البصر يدرك الكرة التي بهذه الصفة ساكنة ولا يحس بحركتها. وذلك لأن الكرة التي بهذه الصفة إذا كانت شديدة الشفيف، ولم يكن فيها شيء كثيف، فإنها تكون متشابهة الأجزاء. وإذا كانت متحركة حركة مستديرة وهي في موضع واحد، فإن البصر ليس يدرك من ورائها إلا الجسم الواحد الذي هو وراءها. والحركة المستديرة إنما يدركها البصر من تبدل أجزاء المبصر. وإذا كانت الكرة متشابهة الجزاء، وكان الجسم الذي يظهر من ورائها واحدًا وفي موضع واحد، فليس يدرك البصر تبدل أجزائها، وإذا لم يدرك تبدل أجزائها فليس يدرك حركتها، وإذا لم يدرك حركتها فهو يظنها ساكنة. وإذا أدرك البصر المبصر المتحرك ساكنًا فهو غالط في سكونه.

والغلط في الحركة وفي السكون هما غلطان في القياس لأن الحركة والسكون يدركان بالقياس. وعلة هذا الغلط في الحركة التي على الصفة التي وصفناها وفي السكون الذي وصفناه هو شدة شفيف الجسم، لأن الجسم إذا كان كثيفاُ أو كان مشفًا وكان شفيفه يسيرًا وكثافته قوية فإن البصر يدركه على ما هو عليه ويدرك شفيفه ويتميز له لونه من لون الجسم الذي وراءه. وإذا تميز للبصر لون الجسم المشف من لون الجسم الذي وراءه وكان الجسم الذي وراءه متحركًا والمشف ساكنًا أو كان الذي وراءه ساكنًا والمشف متحركًا فإنه يحس بحركة المتحرك وسكون الساكن إذا كانت المعاني الباقية التي في ذلك الجسم المشف في عرض الاعتدال.

الخشونة والملاسة وقد يعرض الغلط في الخشونة والملاسة أيضًا من أجل شدة الشفيف. وذلك أن المبصر إذا كان في غاية الشفيف، وكان وراءه ضوء قوي، وكان البصر يدرك ذلك المبصر ويدرك الضوء القوي الذي يظهر من ورائه، وكان في سطح ذلك المبصر خشونة، فإن البصر لا يدرك الخشونة التي تكون في سطحه. وكذلك عن كان سطحه أملس فإن البصر لا يدرك ملاسته. وإن كان سطح ذلك المبصر أملس، وكان الضوء الذي يظهر من ورائه مختلف الصورة، وذلك بان يكون جسم قائم على جسم مختلف الألوان صغارًا، ويكون ذلك الجسم خشنًا خشونة ظاهرة اعني الجسم الذي عليه الضوء، فإن البصر ربما ظن بالمبصر الذي على هذه الصفة أن سطحه خشن، ولا تكون فيه خشونة . وإذا ظن به انه خشن السطح، ولم تكن فيه خشونة، فهو غالط فيما يظنه من خشونته. وإذا كان سطح المبصر خشنًا، ولم يحس بخشونته لقوة الضوء الذي يظهر من ورائه، فإنه يظنه أملس. وإذا ظن البصر بالجسم الخشن أنه أملس فهو غالط في ملاسته.

والغلط في الخشونة وفي الملاسة هو غلط في القياس لن الخشونة والملاسة يدركان بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج كثافة المبصر عن عرض الاعتدال، لأن المبصر الكثيف والذي فيه كثافة قوية، إذا كان فيه خشونة أو كان فيه ملاسة، فإن البصر يدرك خشونة الخشن وملاسة الأملس إذا كانت المعاني الباقية التي في ذلك المبصر في عرض الاعتدال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت