فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 670

قال تعالى: { وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا (85) } الاسراء.

إنّ علم الإنسان سيظل قاصرًا عن إدراك هذه الحقيقة،وسيظل بينهما مسافات طويلة؛ لذلك قال تعالى بعدها: { وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا } [الإسراء: 85]

وهل عرف العقل البشري كل شيء حتى يبحث في أسرار الروح؟!

والحق سبحانه وتعالى حينما يعطينا فكرة عن الأشياء لا يعطينا بحقائق ذاتها وتكوينها؛ لأن أذهاننا قد لا تتسع لفهمها،وإنما يعطينا بالفائدة منها. فحين حدثنا عن الأهِلّة قال: { قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ.. } [البقرة: 189]

وهذه هي الفائدة التي تعود علينا والتي تهمنا من الأَهِلّة،أما حركتها ومنازلها والمراحل التي تمر بها الأَهِلّة فأمور لا يضر الجهل بها؛ ذلك لأن الاستفادة بالشيء ليستْ فرعًا لفهم حقيقته،فالرجل الأُميّ في ريفنا يقتني الآن التلفاز وربما الفيديو،ويستطيع استعمالهما وتحويل قنواتهما وضبطهما،ومع ذلك فهو لا يعرف كيف تعمل هذه الأجهزة؟ وكيف تستقبل؟

إذن: الاستفادة بالشيء لا تحتاج معرفة كل شيء عنها،فيكفيك ـ إذن ـ أنْ تستفيد بها دون أن تُدخِل نفسك في متاهات البحث عن حقيقتها. ... ...

والحق سبحانه وتعالى ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.. } [الإسراء: 36] لأن الخالق سبحانه يريد للإنسان أن يُوفّر طاقاته الفكرية ليستخدمها فيما يُجدي،وأَلاَّ يُتعِب نفسه ويُجهدها في علم لا ينفع،وجهل لا يضر.

فعلى المسلم بدل أن يشغل تفكيره في مثل مسألة الروح هذه،أنْ ينشغل بعمل ذي فائدة له ولمجتمعه. وأيّ فائدة تعود عليك إنْ توصلت إلى سِرٍّ من أسرار الروح؟ وأيّ ضرر سيقع عليك إذا لم تعرف عنها شيئًا؟

إذن: مناط الأشياء أن تفهم لماذا وجدت لك،وما فائدتها التي تعود عليك.

والحق سبحانه حينما قال: { وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا } [الإسراء: 85] كان يخاطب بها المعاصرين لرسول الله منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة عام،ومازال يخاطبنا ويخاطب مَنْ بعدنا،وإلى أن تقوم الساعة بهذه الآية مع ما توصلتْ إليه البشرية من علم وكأنه سبحانه يقول: يا ابن آدم،الزم غرزك،فإن وقفت على سِرٍّ فقد غابتْ عنك أسرار.

وقد أوضح الحق سبحانه لنا هذه المسألة في قوله: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } [فصلت:53]

وهاهم العلماء والباحثون يقفون كل يوم على جديد في الكون الفسيح وفي الإنسان،ولو تابعتَ ما توصّل إليه علماء الفضاء ورجال الطب لَهالكَ ما توصَّلوا إليه من آيات وعجائب في خَلْق الله تعالى،لكن هل معنى ذلك أننا عرفنا كل شيء؟ إن كلمة { سَنُرِيهِمْ ْ} ستظل تعمل إلى قيام الساعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت