فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 670

وكانَ يُونسُ يَظُنُّ أنَّ الله لَنْ يُضَيِّقَ عليْهِ في بَطْنِ الحُوتِ، ( أو أنهُ تَعالى لنْ يَقْدِرَ عليه أَنْ يَكُونَ فِي بَطْن الحُوتِ ) فَكَانَ في بَطْنِ الحوتِ في ظُلْمَةٍ،وفي أعْمَاقِ البَحْرِ في ظُلمَةٍ،وفي ظَلاَمِ الليلِ في ظُلْمَةٍ،ولذلك قَالَ تعالى: { فنادى فِي الظلمات } ودَعاَ رَبَّهُ قائلًا:لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ .

يُخْبِرُ اللهُ تعالى عَنْ زَكَريَّا عَليهِ السَّلامُ حينما تَقَدَّمَتْ بِهِ السِّنُ،وطَلبَ مِنَ اللهِ أَنْ يَهَبَهُ وَلَدًا يَرثُ النُبُوَّةَ من بَعْدِهِ،فَنَادَى رَبَّه نِدَاءً خَفِيًّا عَنْ قَوْمِهِ،وقَالَ:رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا بِلا وَلَدٍ،وَلاَ وَارِثٍ،يَقُومُ بَعْدِي في النَّاسِ،وأَنْتَ يَا رَبِّ خَيْرُ مَنْ وَرِثَ العِبَادَ ( وفي هذا الدُّعَاءِ إشَارَةٌ إِلى قِيَامِ السَّاعةِ،وهَلاَكِ البشَرِ جَمِيعًا،وَبَقَاءِ اللهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ [1] .

وهكذا كان شأن خاتم النبيين وسيد المرسلين،فقد أتحفتنا كتب السيرة والحديث الشريفة،بباقة عطرة،من دعائه - صلى الله عليه وسلم - ،وفيها ما تهتز له القلوب،وتتزكى به النفوس،وتفيض له العيون،وتخشع عنده الجوارح،وتلتقي بخالقها الأرواح على بساط العبودية الصحيحة.

والله سبحانه أكرم الأكرمين،لا يخيّب راجيه،ولا يرد سائله،ولا يحرم من فضله بره وكرمه داعيه،قال سبحانه: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} (62) سورة النمل.

واسأَلهُم هَلِ الذِينَ تُشرِكُونَهُم في العِبَادَةِ مَعَ اللهِ خَيرٌ،وَهُمْ لا يَضُرُّونَ وَلا يَنفعُونَ،أَمْ مَنْ يُجيبُ دَعوَةَ المُضْطَرِّ عِنْدَ الشَّدَّةِ إِذا دَعَاهُ لِيَكشِفَ عَنْهُ مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ،وَمَنْ يَجْعَلُ أُمَما في الأَرْضِ قَرْنًا بَعْدَ قَرنٍ،وَجيلًا بَعْدَ جِيل،وَلو شَاءَ لخَلَقَهُمْ أَجمَعِين،ولَمْ يَجْعَلْ بعضَهُم مِنْ ذُرِّيَّةِ بعضٍ،ولو فَعَلَ ذَلِك لضَاقَتِ الأرضُ بالبَشَرِ،ولضَاقَتْ عَليهِم مَعَايِشُهُمْ وَأَرزَاقُهُمْ،ولكِنّ حِكمَتَهُ اقتَضَتْ أن يَخْلُقَهُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ،وَأ،يَجْعَلَهُمْ أُممًا يَخْلُفُ بَعْضُهُم بَعْضًا،حَتَّى يَنْقَضِيَ الأَجَلُ وَيَعُودَ النَّاسُ إِلى اللهِ تَعَالى يَومَ القِيامَةِ،وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ غيرُ اللهِ تَعَالى؟ فَهَلْ هُنَاكَ إِلهٌ مَعَ اللهِ،وَهَلْ تَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلهًا غَيرَهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ اللهُ؟ فَمَا أقَلَّ تَذَكُّرَكُمْ أنْعُمَ اللهِ عَلَيكُم التِي يُرشِدُكُم بِها إِلى الحَقِّ،وَيَهدِيكُمْ بِها إلى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ؟ [2]

وعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ،عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،قَالَ:إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا." [3] "

وقال أحدهم:

لا تسألن بنّي آدم حاجة ... ... ... وسل الذي أبوابه لا تحجب

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 2484)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 3103)

(3) - صحيح ابن حبان - (3 / 159) (876) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت