إنها رحمة عامة ورحمة شاملة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أشرف الأنبياء وأكرمهم وخاتمهم،فلا وَحْيَ ولا رسالة من بعده،ولا إكمال. إذن فهو أشرف الرسل الذين هم أشرف الخَلْق،ورحمة كل نبي تأخذ حظها من الحق سبحانه بمقدار مهمته،ومهمة محمد أكرم المهمات.
وكلمة (رَحْمَة) هنا مصدر يؤدي معنى فعله،فالمصدر مثل الفعل يحتاج إلى فاعل ومفعول،كما نقول: آلمني ضَرْب الرجل ولدَه،فمعنى: { رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } [مريم: 2] أي: رحم ربُّك عبده زكريا.
لذلك قال تعالى: { رَحْمَةِ رَبِّكَ } [مريم: 2] لأنها أعلى أنواع الرحمة،وإن كان هنا يذكر رحمته تعالى بعبده زكريا،فقد خاطب محمدا - صلى الله عليه وسلم - بقوله: { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [الأنبياء: 107] فرحمة الله تعالى بمحمد ليست رحمة خاصة به،بل هي رحمة عامة لجميع العاملين،وهذه منزلة كبيرة عالية.
فالمراد من { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } [مريم: 2] يعنى هذا الذي يُتلَى عليك الآن يا محمد هو ذِكْر وحديث وخبر رحمة ربك التي هي أجلُّ الرحمات بعبده زكريا. ... ... ...
وسبق أن أوضحنا أن العبودية للخَلْق مهانة ومذلَّة،وهي كلمة بشعة لا تُقبل،أما العبودية لله تعالى فهي عِزٌّ وشرف،بل مُنتهَى العِزّ والشرف والكرامة،وعللنا ذلك بأن العبودية التي تسوء وتُحزِن هي عبودية العبد لسيد يأخذ خيره،أما العبودية لله تعالى فيأخذ العبد خير سيده.
لكن،ما نوع الرحمة التي تجلى الله تعالى بها حين أخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بخبر عبده زكريا؟
قالوا: لأنها رحمة تتعلق بطلاقة القدرة في الكون،وطلاقة القدرة في أن الله تبارك وتعالى خلق للمسبِّبات أسبابًا،ثم قال للأسباب: أنت لست فاعلة بذاتك،ولكن بإرادتي وقدرتي،فإذا أردتُك ألاَّ تفعلي أبطلْتُ عملك،وإذا كنت لا تنهضين بالخير وحدك فأنا أجعلك تنهضين به.
ومن ذلك ما حدث في قصة خليل الله إبراهيم حين ألقاه الكفار في النار،ولم يكن حظ الله بإطفاء النار عن إبراهيم،أو بجَعْل النار بَرْدًا وسلامًا على إبراهيم أن يُنجي إبراهيم؛ لأنه كان من الممكن ألاَّ يُمكّنَ خصوم إبراهيم عليه السلام من القبض عليه،أو يُنزِل مطرًا يُطفئ ما أوقدوه من نار،لكن ليست نكاية القوم في هذا،فلو أفلتَ إبراهيم من قبضتهم،أو نزل المطر فأطفأ النار لقالوا: لو كُنَّا تمكنّا منه لفعلنا كذا وكذا،ولو لم ينزل المطر لفعلنا به كذا وكذا.
إذن: شاءت إرادة الله أنْ تكيد هؤلاء،وأن تُظهِر لهم طلاقة القدرة الإلهية فتُمكّنهم من إبراهيم حتى يلقوه في النار فعلًا،ثم يأتي الأمر الأعلى من الخالق سبحانه للنار أن تتعطل فيها خاصية الإحراق: { قُلْنَا يانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } [الأنبياء: 69] .