فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 670

وكذلك في قصة رحمة الله لعبده زكريا تعطينا دليلًا على طلاقة القدرة في مسألة الخَلْق،وليلفتنا إلى أن الخالق سبحانه جعل للكون أسبابًا،فمَنْ أخذ بالأسباب يصل إلى المسبِّب،ولكن إياكم أنْ تُفتَنوا في الأسباب؛ لأن الخالق سبحانه قد يعطيكم بالأسباب،وقد يُلغيها نهائيا ويأتي بالمسبِّبات دون أسباب.

وقد تجلَّتْ طلاقة القدرة في قصة بَدْء الخَلْق،فنحن نعلم أن جمهرة الناس وتكاثرهم يتم عن طريق التزاوج بين رجل وامرأة،إلا أن طلاقة القدرة لا تتوقف عند هذه الأسباب والخالق سبحانه يُدير خلقه على كُلِّ أوجه الخَلْق،فيأتي آدم دون ذكر أو أنثى،ويخلق حواء من ذكر دون أنثى،ويخلق عيسى من أنثى بدون ذكر.

فالقدرة الإلهية ـ إذن ـ غير مُقيَّدة بالأسباب،وتظلّ طلاقة القدرة هذه في الخَلْق إلى أنْ تقومَ الساعة،فنرى الرجل والمرأة زوجين،لكن لا يتم بينهما الإنجاب وتتعطل فيهما الأسباب حتى لا نعتمد على الأسباب وننسى المسبِّب سبحانه،فهو القائل: { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } [الشورى: 49ـ50] .

وطلاقة القدرة في قصة زكريا عليه السلام تتجلى في أن الله تعالى استجاب لدعاء زكريا في أنْ يرزقَه الولد. قال تعالى: { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } [مريم: 2] . أي: رحمه الله،لكن متى كانت هذه الرحمة؟

يقول الحق تبارك وتعالى: { إِذْ نَادَى رَبَّهُ } أي: في الوقت الذي نادى فيه ربه نداءً خفيًا.

والنداء لَوْن من ألوان الأساليب الكلامية،والبلاغيون يقسمون الكلام إلى خبر،وهو أن تخبر عن شيء بكلام يحتمل الصدق أو الكذب. وإنشاء،وهو أنْ تطلب بكلامك شيئًا،والإنشاء قَوْلٌ لا يحتمل الصدق أو الكذب.

والنداء من الإنشاء؛ لأنك تريد أن تنشىء شيئًا من عندك،فلو قُلْت: يا محمد فأنت تريد أن تنشئ إقبالًا عليك،فالنداء ـ إذن ـ طلبُ الإقبال عليك،لكن هل يصح أن يكون النداء من الله تعالى بهذا المعنى؟ إنك لا تنادى إلا البعيد عنك الذي تريد أن تستدنية منك.

فكيف تنادى ربك ـ تبارك وتعالى ـ وهو أقرب إليك من حبل الوريد؟ وكيف تناديه سبحانه وهو يسمعك حتى قبل أن تتكلم؟ فإذا كان إقباله عليك موجودًا في كل وقت،فما الغرض من النداء هنا؟ نقول: الغرض من النداء: الدعاء.ووَصْف النداء هنا بأنه: { نِدَآءً خَفِيًّا } [مريم: 3] لأنه ليس كنداء الخَلْق للخَلْق،يحتاج إلى رَفْع الصوت حتى يسمع،إنه نداء لله ـ تبارك وتعالى ـ الذى يستوي عنده السر والجهر،وهو القائل: { وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [الملك: 13] .

ومن أدب الدعاء أنْ ندعوَه سبحانه كما أمرنا: { ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } [الأعراف: 55] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت