فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 670

وهو سبحانه { يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } [طه: 7] أي: وما هو أَخْفى من السر؛ لأنه سبحانه قبل أن يكون سِرًّا،علم أنه سيكون سرًا.

لذلك،جعل الحق سبحانه أحسن الدعاء الدعاء الخفي؛ لأن الإنسان قد يدعو ربه بشيء،إنْ سمعه غيره ربما استنقصه،فجعل الدعاء خَفيًا بين العبد وربه حتى لا يُفتضحَ أمره عند الناس.

أما الحق سبحانه فهو ستَّار يحب الستر حتى على العاصين،وكذلك ليدعو العبد رَبَّه بما يستحي أنْ يذكره أمام الناس،وليكون طليقًا في الدعاء فيدعو ربه بما يشاء؛ لأنه ربُّه ووليه الذي يفزع إليه. وإنْ كان الناس سيحزنون ويتضجرون إن سألتهم أدنى شئ،فإن الله تعالى يفرح بك أن سألته.لكن لماذا أخفى زكريا دعاءه؟

دعا زكريا ربه أنْ يرزقه الولد،ولكن كيف يتحقق هذا المطلب وقد بلغ من الكبر عتيًا وامرأته عاقر؟ فكأن الأسباب الموجودة جميعها مُعطَّلة عنده؛ لذلك توجه إلى الله بالدعاء: يا رب لا ملجأ لي إلا أنت فأنت وحدك القادر على خَرْق الناموس والقانون،وهذا مطلب من زكريا جاء في غير وقته.

أخفاه أيضا؛ لأنه طلب الولد في وجود أبناء عمومته الذين سيحملون منهجه من بعده،إلاّ أنه لم يأتمنهم على منهج الله؛ لأن ظاهر حركتهم في الحياة غير متسقة مع المنهج،فكيف يأمنهم على منهج الله وهم غير مؤتمنين على أنفسهم؟ فإذا دعا زكريا ربه أنْ يرزقه الولد ليرث النبوة من بعده،فسوف يغضب هؤلاء من دعاء زكريا ويعادونه؛ لذلك جاء دعاؤه خفيًا يُسِرُّه بينه وبين ربه تعالى.

سؤال آخر تنبغي الإجابة عليه هنا: لماذا يطلب زكريا الولد في هذه السن المتأخرة،وبعد أن بلغ من الكبر عتيًا،وأصبحت امرأته عاقرًا؟

لقد أوضح زكريا عليه السلام العلة في ذلك في الآيات القادمة فقال: { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } [مريم: 6] .إذن: فالعِلَّة في طلب الولد دينية مَحْضة،لا يطلبه لمغْنَم دنيوي،إنما شغفه بالولد أنه لم يأمن القوم من بعده على منهج الله وحمايته من الإفساد.

لذلك قوله: (يرثني) هنا لا يفهم منه ميراث المال كما يتصوره البعض؛ لأن الأنبياء لا يورثون،كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"وبذلك يخرج النبي من الدنيا دون أن ينتفع أحد من أقاربه بماله حتى الفقراء منهم.

فالمسألة مع الأنبياء خالصة كلها لوجه الله تعالى؛ لذلك قال بعدها: { وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } [مريم: 6] أي: النبوة التي تناقلوها. فلا يستقيم هنا أبدًا أن نفهم الميراث على أنه ميراث المال أو متاع الدنيا الفاني.ومن ذلك قوله تعالى: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ } [النمل: 16] ففي أيِّ شئ ورثه؟ أورثه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت