نَزَلَ مِنْ عِلِّيِّينَ،فَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ،وَحَفَّ الْكُرْسِيَّ بِمَنَابِرَ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٍ بِالْجَوَاهِرِ،وَجَاءَ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ فَجَلَسُوا عَلَيْهَا،وَجَاءَ أَهْلُ الْغُرَفِ مِنْ غُرَفِهِمْ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَى الْكَثِيبِ،وَهُوَ كَثِيبٌ أَبْيَضُ مِنْ مِسْكٍ أَذْفَرَ،ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ فَيَقُولُ:أَنَا الَّذِي صَدَقْتُكُمْ وَعْدِي،وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي،وَهَذَا مَحَلُّ كَرَامَتِي،فَسَلُونِي،فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَا،فَيَقُولُ:رِضَايَ أُحِلُّكُمْ دَارِي،وَأَنَالَكُمْ كَرَامَتِي،فَسَلُونِي،فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَا،فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ عَلَى الرِّضَا،ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ،وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ،إِلَى مِقْدَارِ مُنْصَرَفِهِمْ مِنَ الْجُمُعَةِ،وَهِيَ زَبَرْجَدَةٌ خَضْرَاءُ أَوْ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ،مُطَّرَدَةٌ فِيهَا أَنْهَارُهَا،مُتَدَلِّيَةٌ،فِيهَا ثِمَارُهَا،فِيهَا أَزْوَاجُهَا وَخَدَمُهَا،فَلَيْسَ هُمْ فِي الْجَنَّةِ بِأَشْوَقَ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَزْدَادُوا نَظَرًا إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ وَكَرَامَتِهِ،وَلِذَلِكَ دُعِيَ يَوْمَ الْمَزِيدِ" [1] ."
ولقد أخبرنا سبحانه أنه حرم العمل على اليهود يوم السبت،وأمرهم بالتفرغ لعبادته،فعملوا الحيل،استهزاء بأمر الله تعالى واعتداء على حدوده،فغضب عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير.
قال تعالى: { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) } [الأعراف:163-166]
اسْأَلْ يَا مُحَمَّدُ،هَؤُلاءِ اليَهُودَ الذِينَ بِحَضْرَتِكَ عَنْ قِصَّةِ أَصْحَابِهِم الذِينَ خَالَفُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ،فَأصَابَهُمْ بِنَقْمَتِهِ عَلَى اعْتِدَائِهِمْ وَاحْتِيَالِهِمْ فِي مُخَالَفَتِهِمْ أمْرَ رَبِّهِمْ وَحَذِّرْهُمْ مِنْ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِأَصْحَابِهِمْ،أَصْحَابِ القَرِيَةِ التِي كَانَتْ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ ( وَهِيَ أَيْلَةُ أَوْ العَقَبَةُ اليَوْمَ ) ،فَقَدْ كَانَ اليَهُودُ فِيهَا يَعْتَدُونَ عَلَى حُرْمَةِ السَّبْتِ،وَيَتَجَاوُزُونَ حُكْمَ اللهِ الذِي يُحِرِّمُ عَلَيهِم الصَّيْدَ فِيهِ،فَقَدْ كَانَتِ الأَسْمَاكُ ( حِيتَانُهُمْ ) تَأتِيِهِمْ ظَاهِرَةً عَلَى سَطْحِ المَاءِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ الذِي كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ،فَلاَ يَصِيدُونَ فِيهِ،أَمَّا فِي اليَوْمِ الذِي لا يَسْبِتُونَ،وَلاَ يُعَظِّمُونَ حُرْمَةَ السَّبْتِ،فَكَانَتِ الحِيتَانُ لا تَظْهَرُ لَهُمْ،وَكَانَ ذَلِكَ اخْتِبَارًا مِنَ اللهِ لَهُمْ،فَكَانَ اليَهُودُ المُعْتَدُونَ يَنْصِبُونَ الشِّبَاكَ لِلأَسْمَاكِ لِتَقَعَ فِيهَا،وَيَتْرُكُونَهَا فِي الشِّبَاكِ حَتَّى يَنْتَهِيَ السَّبْتُ فَيَأخُذُوهَا،فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ انْتِهَاكًا لِمَحَارِمِ اللهِ التِي فَرَضَهَا عَلَيْهِمْ،وَمِنْهَا تَعْظِيمُ حُرْمَةِ السَّبْتِ.فَكَانَ تَصَرُّفُهُمْ هذا احْتِيالًا يُخْفِي نِيَّتَهُمْ فِي الاعْتِدَاءِ عَلَى السَّبْتِ،وَفِسْقًا عَنْ طَاعَةِ اللهِ .
(1) - الْمُعْجَمُ الْأَوْسَطُ لِلطَّبَرَانِيِّ (2165 ) وكشف الأستار - (4 / 194) (3519) ومسند البزار ( المطبوع باسم البحر الزخار -(14 / 68) (7527) حسن