فمثلًا: يتعصب الإنسان -أحيانًا- لمذهب أو لوطن،أو قبيلة،أو لدعوة،أو لجماعة،فهذا ما يُسمى بالحزبية،بحيث يحيط هذا الشيء بعقله،فلا يملك عقلًا متحررًا من القيود والأوهام؛ بل تجده يدور في فلك معين،ولا يستطيع أن يتقبل الحق إلا في إطار محدود.
11-احترام الطرف الآخر:
فنحن مأمورون أن نُنزل الناس منازلهم،وألا نبخس الناس أشياءهم.
فيا أخي المسلم الداعية،ليس النجاح في الحوار والمناظرة مرهونًا بإسقاطك لشخصية الطرف الآخر الذي تناظره،ولا إسقاطك لشخصيته يعني أنك نجحت في المناظرة؛ بل ربما يرتد الأمر عليك،ويكون هذا دليلًا على إفلاسك وعجزك،وأنك لا تملك الحجة؛ فاشتغلت بالمتكلِّم عن الكلام.
والناس اليوم تعي وتعقل،ولو أنك سندت قولًا من الأقوال الباطلة الزائفة حينًا من الزمن بالتهويش،واللجاج،فإن هذا القول الذي لا يسنده الحق سرعان ما ينهار ويتهاوى بمجرد غفلة السَّاعين به،أو انشغالهم عنه بغيره،فيموت وينساه الناس.
فعَنْ عَبْدِ اللهِ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ،وَلاَ اللِّعَانِ،وَلاَ الْبَذِيءِ،وَلاَ الْفَاحِشِ. [1]
فالمؤمن ليس باللعان،ولا بالطعان في الناس وأعراضهم،ونياتهم ومقاصدهم وأحوالهم،ولا بالفاحش،ولا بالبذيء.
وعَنْ مَسْرُوقٍ،قَالَ:قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو:إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا،وَلاَ مُتَفَحِّشًا،وَكَانَ يَقُولُ:خِيَارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاَقًا. [2]
وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْجَدَلِيِّ،قَالَ:قُلْتُ لِعَائِشَةَ:كَيْفَ كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَهْلِهِ ؟ قَالَتْ:كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا،لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا،وَلاَ مُتَفَحِّشًا،وَلاَ سَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ،وَلاَ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ،وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ. [3]
فهذا حال النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفته،وهذا كلامه في وصف المؤمن،أنه لا يحب الفحش ولا التفحش.
ومن بديع احترام رأي الآخرين،ما ينقل عن الإمام مالك: أنه لمَّا ألَّف الموطأ،ومكث أربعين سنة يؤلفه،وقرئ عليه آلاف المرات،وعرضه على سبعين من العلماء فأقروه عليه،وتعب فيه أيما تعب،ومع ذلك لمَّا بلغ الخليفة المنصور كتاب مالك وأعجبه،قال ابن سعد:"أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ،قَالَ:سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ،يَقُولُ:لَمَّا حَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ دَعَانِي فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَحَادَثْتُهُ،وَسَأَلَنِي فَأَجَبْتُهُ،فَقَالَ:إِنِّي قَدْ عَزَمْتُ أَنْ آمُرَ بِكُتُبِكَ هَذِهِ الَّتِي وَضَعْتَهَا يَعْنِي الْمُوَطَّأَ فَتُنْسَخُ نُسَخًا،ثُمَّ أَبْعَثُ إِلَى كُلِّ مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِنُسْخَةٍ،وَآمَرُهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا بِمَا فِيهَا لَا يَتَعَدَّوْهُ"
(1) - صحيح ابن حبان - (1 / 421) (192) صحيح
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (3559 ) وصحيح مسلم- المكنز - (6177 ) وصحيح ابن حبان - (14 / 354) (6442)
(3) - صحيح ابن حبان - (14 / 355) (6443) صحيح