فيا أخي،ما علاقتك بهذا الشخص المتكلِّم؟ المهم أن أمامك دعوى وكلامًا ومطلوب منك مناقشته بالحجة والبرهان،فدع المتكلم جانبًا،وانظر في الكلام الذي قيل،وما قدره من الخطأ أو من الصواب؟
اعْمَلْ بِقَوْلِي وَإِنْ قَصَّرْت فِي عَمَلِي يَنْفَعْك قَوْلِي وَلَا يَضْرُرْك تَقْصِيرِي [1]
-كذلك ليس من الموضوعية: الاشتغال بالأيمان المغلظة،والله سبحانه وتعالى ذمَّ الذين يكثرون من اليمين: قال تعالى: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ.هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ.مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ.عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) [القلم:10-13] ،فهذا دعيٌّ ملصق في أهل العلم وليس منهم،وملصق في قومه وليس منهم،ومع ذلك يكثر من الأيمان الكاذبة،أو قد لا تكون كاذبة لكن اليمين ليس حجة،فكونك تحلف بالله العظيم الذي لا إله إلا هو أن هذا هو الحق،فهذا لا يقدِّم ولا يؤخِّر.
قد تكون مقتنعًا فعلًا أنه هو الحق،لكن قناعتك هذه ليست نابعة من دراستك،أو معرفتك بالحجج والأدلة؛ ولكنها نابعة عما تلقيته عن شيخ تعظمه فوقر في قلبك،أو درسته منذ صغرك فاستقر في قراره في نفسك،وليس لأن لديك دليلًا قويًّا على أنه هو الحق.
وفرق بين أن تكون مقتنعًا قناعة مطلقة بأنه هو الحق،فتحلف على ذلك،فإذا حلفتَ أنت عرفتُ أنك تعتقد أنه هو الحق،ولكن لا يلزم أن يكون هو الحق،فقد تراه حقًّا وتحلف عليه،والواقع أن الحق بخلافه.
-كذلك من الموضوعية: تجنب الكذب في الحديث،فإن المناظر قد يكذب أحيانًا،فقد سمعت مرة مناظرة بين اثنين في قضية أحدهما شيعي،فقام الشيعي وقال: روى الإمام أحمد في مسنده،وذكر حديثًا موضوعًا مختلقًا،وهذا الحديث إذا رجعت للجزء والصفحة من المسند،لا تجده،لكنه يعرف أن الخصم ليس عنده وقت حتى يرجع للمسند،ويتأكد من صحة الحديث،ومن البعيد جدًّا أن يكون قد أحاط بمسند الإمام أحمد حتى يعرف ما فيه،مما ليس فيه،فيستغل حديثًا مختلقًا ليضر به الخصم،وينسبه إلى كتاب من هذه الكتب،وربما ينطلي عليه.
فهذا ليس من الموضوعية في شيء،وإذا لم يكتشفه الخصم حال المناقشة فسيكتشفه فيما بعد،ويبين أنك كنت كاذبًا فيما ادعيت.
ومثل الكذب وأخوه بتر النصوص،وهو أن تنقل نصًّا طويلًا،فتجتزئ الكلام الذي يصلح لك،ويدل على ما تريد،وتترك الباقي،فهذا ليس من الأمانة؛ بل عليك أن تنقل الكلام كاملًا حتى يشاركك الناس فيما استنتجته،فإما أن يقرُّوك،وإما أن يخالفوك في الفهم.
ثم إن هذا الكلام أيضًا قد يقوله الإنسان ولا يُدرى كل ما وراءه،فالكلام يُفهم من حال المتكلم،ومن سياقه،ومن نصوصه الأخرى،ومن سيرة قائله،كما ذكر الإمام ابن القيم في مواضع من كتبه: أن كلام
(1) - أدب الدنيا والدين - (1 / 89)