فهذا يصح في كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - ،أما كلام الناس فلا إلزام فيه بشيء ما،تقول: يلزم من كلامه كذا وكذا،رغم أنه ما خطر في باله هذا اللازم،ولا فكَّر فيه يومًا من الأيام،وقد لا يوافقك على أنه لازم،ولو وافقك على أنه لازم قد لا يُقر به،فلماذا تلزم الناس بشيء لم يلتزموا به؟
ولذلك من باطل اللوازم أن الشاعر ابن الرومي حاول أن يستخدم هذا الإلزام بطريقة ماجنة،فكان أهل العراق الأحناف يقولون بجواز النبيذ،وأهل الحجاز يقولون بتحريمه مثل الخمر،فيقولون النبيذ والخمر سواء،فكان هذا الشاعر الماجن الخبيث يقول [1] :
أحل العراقيُّ النبيذَ وشربهُ وقال الحرامان المدامة ُ والسُّكرُ
وقال الحجازيُّ الشرابان واحد فحلّتْ لنا بين اختلافهما الخمرُ
سآخذ من قوليهما طرفيهما وأشربها لافارقَ الوازر الوزر
ولا شك أن من قال بحل الخمر فهو كافر؛ لأن تحريمها ثابت بنص القرآن الكريم،قال تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأََنْصَابُ وَالأََزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) [المائدة:90] ،لكني أردت أن أبيِّن فساد الالتزامات والإلزامات التي يختلقها البعض ويحاول أن يحاصر بها الآخرين.
14-اعتدال الصوت:
لا تبالغ في رفع الصوت أثناء الحوار،فليس من قوة الحجة المبالغة في رفع الصوت في النقاش والحوار؛ بل كلَّما كان الإنسان أهدأ كان أعمق؛ ولهذا تجد ضجيج البحر وصخبه على الشاطئ،حيث الصخور والمياه الضحلة،وحيث لا جواهر ولا درر،فإذا مشيت إلى عمق البحر ولجته وجدت الهدوء،حيث الماء العميق ونفائس البحر وكنوزه؛ لذلك يقول المثل الغربي:"الماء العميق أهدأ".
حوار بين إسحق والشافعي:
هذا حوار جرى بين إسحاق بن راهويه رحمه الله -إمام من أئمة أهل الحديث- وبين الشافعي.
يقول إسحاق: إن الإمام أحمد لمَّا كان في مكة،قال: لماذا لا تذهب للشافعي وتستفيد منه؟ قلت له: كيف أترك ابن عيينة والمشايخ وأذهب إلى الإمام الشافعي؟ قال له: يفوت وهم لا يفوتون.
قال: فذهبنا إليه فتناظرنا في كراء [2] بيوت مكة،هل تكرى،أو لا تكرى؟ قال: فتكلمت مع الشافعي وتحمست؛ ولكن الشافعي كان متساهلًا،فتكلَّمت بالفارسية مع رجل جانبي،وذكر كلمة بالفارسية معناها: هذا ليس عنده كمال -يعني الشافعي-،قال: فعلم الشافعي أني أسبه،وإن كان لا يجيد اللغة،فقال: هل تريد أن تناظرني؟ قلت: من أجل المناظرة جئت!
قال: أرأيت قول الله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) [الحشر:8] ،أليس الله نسب الديار إلى أربابها،أو إلى غير أربابها؟ قال: قلت: بل إلى أربابها،قال: عمر لما اشترى دار السجن
(1) - محاضرات الأدباء - (1 / 304) و تراجم شعراء موقع أدب - (71 / 109)
(2) - الكِراء: أجر المستأجَر. المعجم الوسيط (2/817) .