قال: مررت بأبي حنيفة وهو مع أصحابه في المسجد، وقد ارتفعت أصواتهم، فقلت: يا أبا حنيفة هذا في المسجد والصوت لا ينبغي أن يرفع فيه؟
فقال: دعهم فإنهم لا يفقهون إلا بهذا.
-وقيل لأبي حنيفة: في مسجد كذا حلقة يتناظرون في الفقه.
فقال: ألهم رأس؟
قالوا: لا.
قال: لا يفقهون أبدًا.
قال أبو عمر: احتج بعض من أجاز رفع الصوت في المناظرة بالعلم وقال: لا بأس بذلك، بحديث عبد الله بن عمرو، قال: تخلف عنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا, فنادى بأعلى صوته:"ويل للأعقاب من النار"مرتين أو ثلاثًا1. ذكره البخاري وغيره.
وواجب على العالم إذا لم يفهم عنه أن يكرر كلامه ذلك حتى يفهم عنه: وقد كان بعضهم يستحب أن لا يكرره أكثر من ثلاث مرات، لما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاث مرات2.
وذلك عندهم كان ليفهم عنه كل من جالسه من قريب وبعيد، وهكذا يجب أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 رواه البخاري"60-96-163"، ومسلم"241"، وأبو داود"97"، والنسائي 1/ 77-78-89. وفي الكبرى"136". وابن ماجه"450"، وأحمد 2/ 164-192-201، والطيالسي 1/ 53، والدارمي"706"1/ 191، وابن خزيمة"161"، وابن حبان"1055"3/ 335، والطحاوي 1/ 38-39، والبيهقي في سننه 1/ 69.
2 جزء من حديث رواه البخاري برقم"94-95"1/ 188، و"6244"11/ 26، والترمذي برقم"2723"5/ 72، وحديث رقم"3640"5/ 600-601، وفي الشمائل برقم"224"ص282-283 بتحقيقي، والحاكم في المستدرك 4/ 273، وأبو الشيخ في أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- ص83. والبيهقي في المدخل برقم"597"ص356، والبغوي في الشمائل برقم"334"1/ 266، وفي شرح السنة برقم"141"1/ 204.