-قال أبو عمر: احتج بعض من لا علم له ولا معرفة من أهل البدع وغيرهم الطاعنين في السنن بحديث عمر هذا قوله: أقلوا الرواية عن رسول الله, صلى الله عليه وسلم: وبما ذكرنا في هذا الباب من الأحاديث وغيرها، وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزهد في سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي لا يوصل إلى مراد كتاب الله إلا بها، والطعن على أهلها، ولا حجة في هذا الحديث ولا دليل على شيء مما ذهبوا إليه من وجوه قد ذكرها أهل العلم.
منها: أن وجه قول عمر إنما كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن، فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه، إذ هو الأصل لكل علم، هذا معنى قول أبي عبيد1 في ذلك، واحتج بما رواه عن حجاج، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: مل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ملة, فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله, جل وعز: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ} [الزمر: 23] إلى آخر الآية.
قال: ثم ملوا ملة أخرى، فقالوا: يا رسول الله حدثنا شيئا فوق الحديث ودون القرآن يعنون القصص. فأنزل: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [يوسف: 1] إلى قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [يوسف: 3] الآية. قال: فإن أرادوا الحديث دلهم على أحسن الحديث، وإن أرادوا القصص دلهم على أحسن القصص2.
وقال غيره: إن عمر إنما نهى عن الحديث عما لا يفيد حكما ولا يكون سنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 رواه أبو عبيد في فضائل القرآن ص53-54، والطبري في تفسيره 12/ 90، وأبو نعيم في الحلية 4/ 248، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص270، وانظر تفسير القرطبي 15/ 248، وجمال القراء 1/ 80، وتفسير ابن عطية 1/ 37.
2 فضائل القرآن لأبي عبيد ص54، وجمال القراء للسخاوي 1/ 80، والطبري في تفسيره 12/ 150، والحاكم 2/ 345 ببعضه، وهو مرسل.
وانظر الدر المنثور 4/ 3 و5/ 325.