قال الله تعالى (ذكر رحمة ربك عبده زكريا) قال وهب بن منبه هو زكريا بن ادن من أولاد سلميان بن داود عليهما السلام قال الطبري هو يوحنا وكان نبيا صلبا في الدين فلما مر عليه مائة وعشرون سنة من العمر ولم يرزق ولدا ذكرا (قال ربي اني وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا) (يا زكريا انا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل من قبل سميا) قال السدى هو أول من تسمى بيحيى قبل الخلائق فلما سمع زكريا ما قالته الملائكة قال لهم وما علاقة ذلك فأتاه جبرائيل عليه السلام وقال يا زكريا أن لا تكلم أحدا من الناس ثلاث ليال سويا فقال زكريا يا جبريل (أني يكون لي غلام وكان امرأتي عاقر وقد بلغت من الكبر عتيا) أي كيف يجيء لنا ولد ونحن على هذه الشيخوخة فقال له جبرائيل (كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا) قال السدى ان زوجة زكريا حاضت في يومها فلما واقعها زكريا حملت منه يحيى فلما وضعته وكبر وانتشى اعتكف على عبادة الله تعالى وصار باكيا حزينا ليلا ونهارا لا يأكل ولا يشرب ولا يمل من البكاء فقال زكريا يا رب اني طلبت منك ولدا أنتقع به وهذا مشتغل بالبكاء دائما فأوحى الله اليه يا زكريا أنت قلت فهب لي من لدنك وليا والولي لا يكون إلا على هذه الصفة وكان يحيى عليه السلام لين الجانب حسن الخلقة كما قال الله تعالي (واجعله رب رضيا) قال السدى ان يحيى كان في زمن ملك من ملوك بني إسرائيل وكان ذلك الملك مغرما بحب النساء الحسان وكان للملك زوجة قد طعنت في السن وكان لها بنت من غير الملك جميلة فأراد أن يتزوج بغيرها عندما كبر سنها فعمدت الى تلك البنت وزينتها بأحسن زينة وأحضرتها بين يدي الملك وقالت له تزوج بها فقال لها حتى نسأل يحيى بن زكريا هل يجوز ذلك أم لا فأحضر يحيى وسأله عن ذلك فقال له تحل لك ولا يجوز وانها محرمة عليك فغضب منه الملك فقالت له زوجته ان لم تقتل يحيى والا فلا أقيم عندك فأمر الملك بقتل يحيى فقالت علماء بني اسرائيل للملك ان وقع من دم يحيى قطرة على الأرض لم ينبت فيها الزرع أبدا قال العزيزى لما سمع الملك ما قالته العلماء أحضر طستا من نحاس وأمر بذبح يحيى فلما قدموه للذبح استسلم لقضاء الله ولم يتكلم بكلمة واحدة فذبحه في ذلك الطست النحاس ولم ينزل من دمه شئ على الأرض فلما ذبحه طلب أباه زكريا ليذبحه أيضا فهرب منه لم ير في وجهه إلا شجرة فقال لها أيتها الشجرة أجيري نبي الله زكريا من القتل فانشقت الشجرة نصفين فدخل زكريا في جوفها وانطبقت عليه كما كانت فلما تتبعوه ولم يجدوه فجاء اليهم ابليس اللعين في صفة شيخ زاهد وقال لهم ان زكريا قد دخل في جوف هذه الشجرة فأحضر الملك منشارا ونشر به تلك الشجرة قال السدى لما بلغ المنشار رأس زكريا صاح آه فنزل اليه جبرائيل وقال له يا زكريا ان الله تعالى يقول لك لئن قلت بعد ذلك آه مرة أخرى ليمحونك من ديوان الأنبياء فسكت زكريا وصبرعلى البلاء حتى نشروه نصفين وهو لايتكلم فاعلم أن الأنبياء أشد بلاء من جميع الناس قال الثعلبي مات زكريا وله من العمر نحو ثلثمائة سنة وقيل دون ذلك والله أعلم قال السدى ان الشجرة التي نشر فيها زكريا كانت بنابلس ودفن هناك ثم نقل من بعد ذلك الى حلب وقبره مشهور بها الآن قال السدى ان يحيى بن زكريا ذبح بفلسطين ودفنت جثته بها ورأسه حمل الى الشام ودفن وذراعه دفن في بيروت ورجله في صيدا صلوات الله عليهما قال الثعلبي مات يحى بن زكريا وله من العمر خمس وتسعون سنة قال قتادة لما دخل بختنصر البابلى الى بيت المقدس ورأى دم يحيى يفور ويغلى على الأرض كغليان القدور شرع بقتل قومه من بني إسرائيل حتى بلغ ما قتله منهم سبعين ألف انسان فعند ذلك سكن الدم قليلا قال زيد بن واقد لما عمر الوليد بن عبد الملك بن مروان مسجده الذي أنشأه بدمشق وكلف على البنائين فبينما أنا واقف عليهم اذ لاحت لنا مغارة بابها مسدود بالحجارة فعرفنا الوليد بذلك فلما دخل الليل أتى الوليد الى المسجد وبين يديه الشموع فوقف على تلك المغارة وأمر بفتحها ففتحت بحضرته فرأى بها مكانا مربعا نحو ثلاثة أذرع في مثلها ووجد بها صندوقا مقفولا بقفل من حديد ففتحه فرأى فيه رأس انسان وعليها شعر وهي على هيئتها لم يتغير منها شيء من محاسن وجهها وفي ذلك الصندوق لوح من رخام أبيض مكتوب فيه هذه