انظر الى النيل السعيد وقدأتى ... في عسكر الموج المديد معبسا
حصر البلاد فسلمته أرضها ... فكسى ثراها حين ولى سندسا
قال المسعود ومن عادة النيل أنه اذا كان عند ابتداء زيادته يخضر ماؤه فيقول أهل مصر توحم النيل ويرون أن الشرب منه مضر. وسبب ذلك أن البطيحات المتقدم ذكرها اذا تناقص النيل عن الزيادة ينقطع عنه الامداد من المياه فيتغير ماؤه من لونه ويخضر فاذا زاد النيل ساق تلك المياه القديمة التى هى في أعالى النيل التى كانت راكدة فيقول العوام قد توحم البحر. وقيل في المعنى:
عجب لنيل ديار مصر لانه ... عجب اذا فكرت فيه يعظم
يطأ الاراضى فهى تلقح دائما ... من مائة وهو الذى يتوحم
ومن عجائب النيل أن فيه فرس البحر قال عبد الله بن أحمد الاسرائيلى ان فرس البحر في غلظ الجاموس قصيرة القوائم ولها أخفاف وهى في ألوان الخيل ولها معرفة وأذنان صغيرتان كأذنى الخيل ولها ذيل مثل ذيل الجاموس ولها صهيل كالخيل ولها أنياب كأنياب السباع ولها حافر مشقوق كحافر البقر واذا ظفرت بالتمساح تأكله واذا طلعت الى البر يحصل منها الضررالشامل لاهل النواحى فترعى الزروع فاذا حصل منها ضرر ولازمت تلك الجهات يطرح لها أهل القرى شيئا من الترمس في الموضع الذى تطلع منه فتأكله وتعود الى الماء فاذا شربت ربا ذلك الترمس في جوفها فتنتفخ فتموت وتعلو على وجه الماء وقيل ان المكان الذى تسكن فيه لا يقيم به التمساح وأكثر ما ترى فرس البحر في دنقله وأسوان من جهات الصعيد قال الكندى ان النيل أشرف أنهار الارض فانه سقى عدة أقاليم من ديار مصر وماؤه أفضل المياه وبذلك يشهد جماعة من الحكماء منهم ابن سينا وابن نفيس وذكروا أن ماؤه يهضم كل المياه الرديئة ويقوى المعدة لانه يمر على أرض الذهب وقال بعضهم الشرب من ماء النيل ينسى الغريب الوطن وأعظم من هذا كله ما جاءت به أخبار الشريعة ان منبعه من الجنة من تحت سدرة المنتهى وقد ورد بذلك أخبار نبوية قال الشيخ زين الدين ابن الوردى
ديار مصر هى الدنيا وساكنها ... هم الانام فقابلها بتفضيل
يامن يباهى ببغداد ودجلتها ... مصرمقدمة والشرح للنيل
انتهى ما أوردناه من ذكر الانهار وذلك على سبيل الاختصار